أحسب أن المقال الذي نشره الزميل محمد القصيبي في موقع كود يستحق التوقف عنده، لأنه يعيد النقاش إلى نقطة جوهرية طالما تم تجاهلها، فبين سطوره رسالة واضحة مفادها أن الصحافة ليست مقاولة عادية، ولا يمكن اختزالها في منطق الربح والخسارة.
لقد كتب الزميل جملة تختصر الإشكال كله:
“الصحافة ماشي غير مقاولة كتقلب على الربح، وماشي سلعة كتتشرا وتتباع بحال أي مشروع تجاري.”
ثم يضيف:
“الصحافة هي صوت المجتمع، وهي اللي كتساهم فصناعة الرأي العام، وكتدافع على القضايا الوطنية، وكتراقب المؤسسات، وكتحمي الديمقراطية.”
ويذهب أبعد من ذلك عندما يقول:
“الإعلام ماشي معمل كينتج السلع، وإنما كينتج الأفكار، وكيأثر على العقول، وكيصنع المواقف.”
هذه العبارات، في تقديري، تنسف واحدة من أكثر النظريات التي رُوِّج لها خلال السنوات الأخيرة، وهي أن الحل يكمن في بناء “مقاولة إعلامية قوية” وفق النموذج التجاري أو الصناعي، وكأننا نتحدث عن شركة لبيع السيارات أو مصنع لإنتاج المواد الاستهلاكية.
فالصحافة تحتاج، دون شك، إلى الحكامة، وإلى موارد مالية، وإلى نموذج اقتصادي يضمن استمراريتها، لكن هذا النموذج يجب أن ينطلق من طبيعة المهنة ورسالتها، لا من تشبيهها بأي نشاط اقتصادي آخر، لأن الرأي العام ليس سلعة، والثقة ليست بضاعة، وتأطير المجتمع ليس منتجا يخضع فقط لمنطق السوق.
أما بخصوص الرأسمال الأجنبي، فأعتقد أن النقاش يجب أن يكون موضوعيا، فالمشرع المغربي لم يترك الباب مفتوحا، بل وضع ضوابط ونسبا قانونية تراعي، من حيث المبدأ، متطلبات الاستقلالية والسيادة الإعلامية، وبالتالي، فإن هذا الجانب مؤطر بالقانون، ويمكن دائما تطويره أو مراجعته إذا اقتضت المصلحة الوطنية.
لكن، في المقابل، هناك خطر آخر لا يقل أهمية، وربما هو الأخطر، لأنه لا يرتبط بجنسية الرأسمال، بل باحتكار الرأي العام، فلا يمكن، باسم بناء “مقاولات إعلامية قوية“، أن نصل إلى وضع تصبح فيه قلة من المؤسسات أو المجموعات المالية هي التي تحتكر صناعة الرأي العام وتوجيهه.
فإذا كنا نعتبر الإعلام قطاعا استراتيجيا، فإن التعددية ليست ترفا، بل هي شرط من شروط الأمن الديمقراطي والإعلامي، لذلك، لا يجوز أن تتحول المقاولات الإعلامية، مهما بلغت قوتها الاقتصادية، إلى دولة داخل الدولة، أو إلى مراكز نفوذ تفرض أجنداتها على النقاش العمومي، وتحتكر التأثير، وتختزل تعددية المجتمع في صوت واحد أو مصالح فئة واحدة.
إن استقلالية الصحافة لا تعني فقط حمايتها من التأثير الخارجي، بل تعني أيضا حمايتها من الاحتكار الداخلي، ومن هيمنة المال، ومن كل أشكال التمركز التي تجعل الإعلام سلطة غير خاضعة لأي توازن.
لذلك، فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يكون: كيف نجعل الصحافة أكثر ربحا؟ بل: كيف نبني نموذجا اقتصاديا يحافظ على استقلاليتها، ويضمن تعدديتها، ويصون رسالتها كخدمة عمومية؟
فالربح مشروع، بل ضروري لاستمرار أي مؤسسة إعلامية، لكنه لا يمكن أن يتحول إلى البوصلة الوحيدة، لأن المصلحة الوطنية يجب أن تبقى فوق كل اعتبار، ولأن الصحافة، قبل أن تكون مقاولة، هي إحدى مؤسسات المجتمع، وليست دولة داخل الدولة.





















