في السياسة كما في الرياضة، هناك حقيقة كثيراً يعمل البعض على خلط أوراقها اليوم : لا ينبغي الخلط بين الانفعال اللحظي والموقف الدائم. فالجماهير، في كل أنحاء العالم، تعيش المباريات بعاطفتها قبل عقلها، وتصدر أحكامها تحت تأثير النتيجة قبل أن تعود، بعد ساعات أو أيام، إلى شيء من التوازن.
ولذلك كان المغاربة، منذ زمن بعيد، يختصرون هذه الحقيقة في عبارة شعبية بليغة: “الجمهور ولد ساعتو”.
ليس في الأمر عداء للاعب، ولا كراهية لمدرب، ولا رغبة في هدم ما تحقق. إنها ردة فعل طبيعية يولدها الإحساس بالانتماء، ويغذيها حب القميص الوطني. فمن يصفق بحرارة بعد الانتصار، قد يغضب بعد الهزيمة، ومن يهتف باسم بونو أو حكيمي أو أي لاعب آخر، قد يوجه إليه النقد في مباراة لم يكن فيها في أفضل مستوياته. وهذه ليست ظاهرة مغربية، بل هي طبيعة الجماهير في كل ملاعب العالم.
لهذا، يبدو إخراج النقاش من سياقه الرياضي إلى ساحات التخوين وتصفية الحسابات الشخصية أمراً غير مفهوم. فاستغلال لحظة انفعال الجمهور لتسجيل نقاط في معارك جانبية لا يخدم المنتخب، ولا يحمي اللاعبين، ولا يضيف شيئاً إلى المشروع الكروي الوطني.
علينا ألا ننسى أن كرة القدم، في نهاية المطاف، لعبة تقوم على احتمالين: الفوز أو الخسارة. كما لا ينبغي أن يغيب عن الأذهان أن المشروع الكروي المغربي لا يزال في طور البناء، رغم ما حققه من قفزات نوعية جعلت المغرب يبلغ نصف نهائي كأس العالم ويؤسس لمرحلة جديدة من الطموح والثقة. والإنجازات الكبرى لا تلغي حق الجمهور في النقد، كما أن النقد لا يمحو قيمة تلك الإنجازات.
وحسب معطياتي، فإن فوزي لقجع لا ينزعج من النقد في حد ذاته، بل يتعامل معه باعتباره جزءاً من طبيعة العمل العام. غير أن هاجسه الأكبر اليوم يرتبط بما هو أبعد من مباراة أو بطولة؛ إنه مشروع مونديال 2030، وما يفرضه من ضرورة مواصلة استقطاب أفضل المواهب المغربية المنتشرة عبر العالم، في وقت تتنافس فيه منتخبات واتحادات كبرى على إقناع هؤلاء اللاعبين بتمثيلها.
وهذا منطق يمكن تفهمه. فحين يتحول النقد إلى حملات تجريح وتنمر وإساءة شخصية، يصبح أثره أكبر من مجرد تعليق على مباراة، وقد يترك انطباعات سلبية لدى شباب ما زالوا في بداية مسارهم، وهم يقررون أي قميص سيدافعون عنه مستقبلاً.
لكن في المقابل، لا يجوز أن يتحول الدفاع عن المنتخب إلى حرب ضد جمهوره.
وهنا تبرز مسؤولية القيادة. فبلاغ واحد، واضح ومتزن، صادر عن الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، يمكن أن يعيد الأمور إلى نصابها. رسالة بسيطة تؤكد أن المنتخب الوطني ملك لجميع المغاربة، وأن تشجيعه حق، وانتقاد أدائه حق أيضاً، ما دام ذلك يتم في حدود الاحترام واللياقة، بعيداً عن السب والقذف والإساءة.
أما الذين نصبوا أنفسهم أوصياء على مشاعر المغاربة، ويقودون حملات التخوين ويوزعون الاتهامات يميناً ويساراً، فهم لا يدافعون عن فوزي لقجع، ولا عن اللاعبين، ولا عن المنتخب. إنهم، في الواقع، يوسعون دائرة الاحتقان، ويخلقون قطيعة مصطنعة بين المنتخب وجمهوره، وهي أخطر هدية يمكن أن تقدم لخصوم الكرة المغربية.
لقد أثبت التاريخ الرياضي أن الجماهير قد تغضب اليوم، لكنها تعود غداً لتملأ المدرجات، وتهتف بالأسماء نفسها التي انتقدتها بالأمس. لأن العلاقة بين الجمهور ومنتخبه ليست علاقة مصلحة، بل علاقة انتماء.
ولهذا، يبقى المبدأ بسيطاً وواضحاً: الجمهور ولد ساعتو… أما المنتخب، فهو ملك لجميع المغاربة.





















