دينيس شتيليرمان : الشريك المالِك والمصمم الرئيسي لشركة Fire Point، هو المؤسِّس المشارك لحملة “#unrussiaUN”، مجموعة المبادرة المعنية بطرد روسيا من الأمم المتحدة
“نحن شعوب الأمم المتحدة، عازمون على إنقاذ الأجيال القادمة من ويلات الحرب”. هكذا يبدأ ميثاق الأمم المتحدة. ومع ذلك، دخلت حرب روسيا العدوانية ضد أوكرانيا عامها الرابع، وهذا يؤكد إلى أي مدى ضَلَّت الأمم المتحدة الطريق بعيدا عن وعدها التأسيسي.
ليست المشكلة ببساطة أن الأمم المتحدة فشلت في وقف حرب كبرى، بل تكمن المشكلة في أن الدولة التي تشن الحرب تمارس حق النقض (الفيتو) داخل الهيئة ذاتها التي عهد إليها الميثاق بمهمة الحفاظ على السلام والأمن الدوليين. في الشهر الماضي، اجتمع مجلس الأمن مرة أخرى لمناقشة مسألة أوكرانيا، ومرة أخرى، رأى العالم كيف حولت روسيا مقعد الاتحاد السوفيتي الدائم، الذي اغتصبته في عام 1991، إلى ترخيص للإفلات من العقاب. وكلما حاول المجلس الرد على العدوان الروسي، يمنعه الكرملين من ذلك.
يُوصف هذا الترتيب المعوج عادةً بأنه عيب مؤسف في النظام، لكنه لا مفر منه. لكن هل هذا صحيح؟ لم تدرس الأمم المتحدة قط كيف حصلت جمهورية روسيا الاتحادية الاشتراكية السوفيتية (RSFSR) أو خليفتها، روسيا الاتحادية (الاتحاد الروسي)، على عضوية المنظمة ومجلس الأمن في المقام الأول. بيد أن هذه المسألة تستحق بكل تأكيد فحصاً أكثر دقة. فعلى أساس أي وثائق بالتحديد ورثت روسيا مقعد الاتحاد السوفيتي الذي يمنحها حق النقض؟
الإجابة ضعيفة إلى حد لافت للنظر. فالمادة 23 من الميثاق لا تزال تدرج اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية كعضو دائم في مجلس الأمن. كان الاتحاد السوفياتي عضوًا مؤسسًا في الأمم المتحدة عام 1945، شأنه شأن أوكرانيا (الجمهورية الاشتراكية السوفياتية الأوكرانية) وبيلاروسيا (الجمهورية الاشتراكية السوفياتية البيلاروسية). ومن غير الممكن أن نقول الشيء ذاته عن جمهورية روسيا الاتحادية الاشتراكية السوفيتية أو الاتحاد الروسي.
من المؤكد أن بيلاروسيا، وروسيا، وأوكرانيا أعلنت في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 1991، أن الاتحاد السوفيتي لم يعد له وجود “ككيان خاضع للقانون الدولي وكحقيقة جيوسياسية”؛ وفي الحادي والعشرين من ديسمبر، في ألما آتا (المعروفة الآن باسم ألماتي)، أعرب أعضاء كومنولث الدول المستقلة الجديد، بما في ذلك أوكرانيا، عن دعمهم لاستمرار روسيا السوفيتية في عضوية الاتحاد السوفيتي في الأمم المتحدة، بما في ذلك مقعده الدائم في مجلس الأمن.
ولكن بعد ذلك، لم تُتخذ أي خطوات قانونية لضمان هذا الوضع على الإطلاق. بدلاً من ذلك، في الرابع والعشرين من ديسمبر، أرسل رئيس جمهورية روسيا الاتحادية الاشتراكية السوفيتية بوريس يلتسين رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة أبلغه فيها بأن عضوية الاتحاد السوفيتي “مستمرة” من خلال الاتحاد الروسي. لكن من الصعب إضفاء حُـجّية قانونية على هذه الرسالة، لأن دولة باسم “الاتحاد الروسي” لم يكن لها وجود عندما أرسلها يلتسين.
علاوة على ذلك، يشرح ميثاق الأمم المتحدة بوضوح متطلبات العضوية: تقديم طلب رسمي، ونظر مجلس الأمن فيه، وتقييم الامتثال للمادة الثانية، وتقديم توصية إلى الجمعية العامة، ومناقشة وتصويت في الجمعية العامة، والتصديق البرلماني على الميثاق، وإيداع صك التصديق لدى السلطة المختصة. ولا يوجد دليل على أن روسيا أكملت هذه العملية، أو حتى حاولت البدء فيها.
لا توجد سابقة في تاريخ الأمم المتحدة مماثلة لاغتصاب روسيا لمقعد الاتحاد السوفيتي. فعندما حاولت يوغوسلافيا السابقة ذات المناورة المريبة عام 1992، رفض مجلس الأمن (القرار 777) بشكل قاطع ادّعاءها بأنها دولة مستمرة. ولكن، في ديسمبر/كانون الأول 2022، عندما أعلن البرلمان الأوكراني ووزارة الخارجية الأوكرانية رسمياً أن عضوية روسيا في الأمم المتحدة لم تُثبت قَط على الوجه الصحيح، كان الرد هو الصمت ــ وهو اعتراف ضمني بأن لا أحد يستطيع تقديم دحض قانوني جدير بالثقة.
الواقع أن الرد اللائق واضح. يجب تجريد روسيا من حق تمثيل الاتحاد السوفيتي، على أساس أنها حصلت على عضويتها الدائمة في مجلس الأمن بطريقة غير مشروعة. والآن، بعد أن مكّنها اغتصابها لحقوق الاتحاد السوفيتي من شن حرب عدوانية، فإن إدراج المسألة السياسية والقانونية المتعلقة بعضويتها على جدول الأعمال أمر بالغ الأهمية للحفاظ على مهمة الأمم المتحدة الأساسية وضمان معاقبة الجرائم ضد الإنسانية التي ارتُكبت كجزء من هجوم على دولة عضو في الأمم المتحدة.
وهنا تستطيع الأمم المتحدة أن تعتمد على سابقتين على الأقل. الأولى هي الصين. في عام 1971، اعتمدت الجمعية العامة القرار 2758، الذي اعترف بممثلي جمهورية الصين الشعبية باعتبارهم “الممثلين الشرعيين الوحيدين للصين” واستبعد ممثلي تشيانج كاي شيك. وجاء التصويت بنتيجة 76 صوتاً مقابل 35، مع امتناع 17 عضواً عن التصويت. وتولت جمهورية الصين الشعبية المقعد الدائم في مجلس الأمن، وإن كانت المادة 23 لم تُـعَـدَّل (لا تزال تشير إلى “جمهورية الصين”).
الحالتان غير متماثلتين. ففي حالة الصين، ادّعت حكومتان تمثيل دولة استمرت في الوجود. لكن هذا التمييز يعزز الحجة لصالح إعادة النظر في وضع روسيا. فإذا كان تحديد من يمثل دولة قائمة يتطلب تصويتاً، فكيف تُسوى مسألة من سيرث مقعد دولة اندثرت برسالة؟
السابقة الثانية هي يوغوسلافيا. هنا، تفككت الدولة، وأعلنت أكبر الأجزاء المتبقية منها أنها الدولة المستمرة، ورفض مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ذلك رفضًا قاطعًا. قُدِّم هذا الرد إلى بلجراد، لكنه لم يوجه قَط إلى موسكو ــ ليس لأسباب قانونية، بل لأسباب سياسية. افتقر القرار إلى أي حجج تدعمه، ولم تُطرح المسألة للنقاش على الإطلاق. لم تكن يوغوسلافيا تمتلك أسلحة نووية، ولم يدفعها أي طموح للحصول على مقعد دائم.
على هذه الخلفية، اكتسبت وثيقة ثالثة أهمية متجددة منذ عام 2022: القرار 377 (V)، المعروف باسم “الاتحاد من أجل السلام”. اعتُمِد هذا القرار في عام 1950، وهو يتناول الحالات حيث يتسبب الخلاف بين الأعضاء الدائمين في منع مجلس الأمن من الاضطلاع بمسؤولياته. في السابع والعشرين من فبراير/شباط 2022، استند المجلس إلى هذا البند لاعتماد القرار 2623 بأغلبية 11 صوتًا مقابل صوت واحد، مع امتناع ثلاثة أعضاء عن التصويت، ودعا إلى عقد دورة استثنائية طارئة للجمعية العامة. ولأن القرار كان إجرائيًا، فلم تتمكن روسيا من استخدام حق النقض ضده.
لكن استخدام هذه الآلية ليس بلا قيود. فهي تتجاوز حق النقض الروسي دون الطعن في شرعية شغل روسيا المقعد الذي تمارس منه هذا الحق. تستطيع الجمعية العامة أن تصنف روسيا على أنها طرف معتدٍ، وتؤكد من جديد على وحدة أراضي أوكرانيا، وتدين الضم، وتوصي بآليات للمساءلة. لكن مثل هذه القرارات هي مجرد توصيات. وتظل روسيا محتفظة بالقدرة على شلّ عمل الهيئة التي يجب أن تكون قراراتها ملزمة، حتى برغم أن شرعية وجودها في هذه الهيئة لم تثبت قط.
لهذا، يجب أن يكون النقاش حول وضع روسيا منفصلا عن النقاش الميؤوس منه كما يبدو حول إصلاح مجلس الأمن. فلا حاجة لإلغاء حق النقض للتصدي لاستخدام روسيا له. ولا ضرورة لإعادة صياغة الميثاق للتساؤل حول ما إذا كانت روسيا مستحقة للصلاحيات التي يمنحها الميثاق للاتحاد السوفيتي. بل ولا توجد حاجة حتى إلى استصدار قرار منفصل. فالجمعية العامة لديها بالفعل لجنة أوراق التفويض، وهي الآلية التي بموجبها رُفِضَت أوراق تفويض الوفد الجنوب أفريقي في عام 1974.
ماذا قد يحدث لمجلس الأمن إذا ظل المقعد شاغراً؟ لا شيء. عندما قاطع الاتحاد السوفيتي المجلس في الفترة من يناير/كانون الثاني إلى أغسطس/آب 1950، اعتمد المجلس قراراته بشأن كوريا. فالمقعد الشاغر ليس نقضا.
قد يزعم بعض المراقبين أن مجرد طرح السؤال أمر خطير. سيقولون: مهما كان ما فعلته روسيا، فيجب أن تظل داخل إطار الأمم المتحدة لأنها قوة نووية، ويجب أن تظل قناة اتصال مفتوحة معها. لكن إعادة النظر في وضع روسيا لن تنهي الدبلوماسية ولن تبطل كل قرار اعتمده مجلس الأمن بمشاركة روسيا. السؤال هو ما إذا كان ينبغي للدبلوماسية أن تستمر في الاعتماد على خيال قانوني؟
ينبغي للجمعية العامة أن تفعل ما فشلت في تنفيذه عام 1991: أن تدرس رسمياً شرعية تمثيل الاتحاد الروسي للاتحاد السوفيتي السابق. ولا يلزم أن تكون الإجابة محددة سلفاً، لكن السؤال يجب أين يُطرَح أخيراً.
بوسع الدول الأعضاء أن تدرس رسالة يلتسين، ووثائق ألما آتا، وممارسة خلافة الدول، والميثاق، وسابقتي الصين ويوغوسلافيا، وثلاثة عقود من الزمن من الممارسات اللاحقة. وبمقدور روسيا أن تسوق حججها، ويستطيع آخرون أن يعرضوا حججهم، وبوسع الجمعية العامة أن تجري التصويت. هكذا ينبغي أن يكون عمل النظام الدولي القائم على القواعد. لوحة اسم الدولة لا تمنحها الحق في مقعد على الطاولة؛ بل يجب أن تكون القواعد هي الفيصل.




















