متابعة
حسم رافاييل غلوكسمان، زعيم حزب «بلاس بوبليك»، الانتخابات التمهيدية لاختيار مرشح اليسار الاجتماعي الديمقراطي للانتخابات الرئاسية الفرنسية، بعدما فاز من الدور الأول بنسبة تجاوزت 66 في المائة من الأصوات، متقدما بفارق كبير على أوليفييه فور، الأمين العام للحزب الاشتراكي، الذي يخفق حزبه بذلك في تقديم مرشح من صفوفه للرئاسة للمرة الأولى في تاريخه.
وحصل غلوكسمان، البالغ من العمر 46 عاما والنائب في البرلمان الأوروبي، على 79 ألفا و613 صوتا، مقابل 17 ألفا و398 صوتا لفور، في اقتراع شارك فيه أكثر من 120 ألف مصوت. وتضع هذه النتيجة الفائز أمام تحدي توحيد مكونات اليسار المعتدل، في ظل خلافات بشأن التحالف مع حزب «فرنسا الأبية» بقيادة جان لوك ميلانشون.
وعقب إعلان النتائج، اعتبر غلوكسمان أن التصويت منح تفويضا واضحا لمشروعه السياسي، مقدما نفسه باعتباره مرشح اليسار الديمقراطي القادر على مواجهة اليمين المتطرف، والقطيعة في الوقت ذاته مع نهج الرئيس السابق إيمانويل ماكرون ونفوذ ميلانشون داخل اليسار.
وأكد أن أولويته تتمثل في جمع التيار الاشتراكي، قبل توسيع دائرة التحالف لتشمل مختلف مكونات اليسار الديمقراطي، مشددا على أن مواجهة اليمين المتطرف تتطلب تجاوز الخلافات الداخلية.
وفي المقابل، أقر أوليفييه فور بهزيمته، معبرا عن احترامه لاختيار المصوتين، بعدما كان يعول على تعبئة أعضاء الحزب الاشتراكي لتجاوز منافسه. ويلتزم فور، إلى جانب بقية المرشحين، بدعم الفائز، تنفيذا للتعهد الذي سبق أن قدموه خلال الحملة الانتخابية.
وجاءت سيغولين روايال، المرشحة السابقة للرئاسة الفرنسية سنة 2007، في المرتبة التالية بنسبة 7.62 في المائة، فيما حصل النائبان جيروم غيدج وإيمانويل موريل على أقل بقليل من 6 في المائة لكل منهما.
وشهدت الانتخابات مشاركة 120 ألفا و787 مصوتا من أصل 134 ألفا و456 مسجلا، وأجريت بالكامل عبر الإنترنت. غير أن العملية واجهت هجوما سيبرانيا صباح الجمعة، تسبب في إبطاء الاتصال بمنصة التصويت، ما دفع المنظمين إلى تمديد الاقتراع إلى مساء الأحد.
وتشكل مسألة العلاقة مع حزب «فرنسا الأبية» أبرز نقاط الخلاف داخل اليسار الفرنسي. فبينما يرفض غلوكسمان التقارب مع ميلانشون، متهما فور بالسعي إلى إعادة إحياء التحالف معه بعد تجربتي «نوبس» سنة 2022 و«الجبهة الشعبية الجديدة» سنة 2024، يدافع الأمين العام للحزب الاشتراكي عن توحيد اليسار داخل الجمعية الوطنية، منتقدا ما يعتبره توجها لدى منافسه نحو الوسط السياسي.
وامتد التوتر إلى تبادل الانتقادات بين غلوكسمان وميلانشون، خصوصا بعد وصف الأول زعيم «فرنسا الأبية»، في مارس الماضي، بأنه «جان ماري لوبان عصرنا»، في إشارة إلى مؤسس حزب اليمين المتطرف الفرنسي. كما أثار الخلاف ردود فعل داخل أحزاب اليسار، إذ انتقدت مارين تونديلييه، زعيمة حزب الخضر، توجهات غلوكسمان، فيما اعتبر نواب من «فرنسا الأبية» أن فوز مرشح من خارج الحزب الاشتراكي يعكس تراجعا في حضوره السياسي الوطني.
وعلى مستوى السباق الرئاسي، تشير استطلاعات الرأي الواردة في المعطيات إلى حصول غلوكسمان على ما بين 10 و12 في المائة من نيات التصويت، خلف مارين لوبان، مرشحة اليمين المتطرف، وإدوار فيليب، رئيس الوزراء السابق المنتمي إلى يمين الوسط، وجان لوك ميلانشون. ومن المقرر إجراء الانتخابات الرئاسية الفرنسية يومي 18 أبريل و2 ماي.
وبرز غلوكسمان خلال السنوات الأخيرة بوصفه أحد وجوه اليسار المعتدل، مستندا إلى مواقف تدافع عن حقوق الإنسان والتكامل الأوروبي ودعم أوكرانيا. وقد شغل مقعدا في البرلمان الأوروبي منذ سنة 2019، بعدما شارك في تأسيس حزب «بلاس بوبليك» عام 2018، وقاد لائحتين مشتركتين مع الحزب الاشتراكي في الانتخابات الأوروبية.
وسبق لغلوكسمان أن عمل على أفلام وثائقية تناولت إبادة التوتسي في رواندا و«الثورة البرتقالية» في أوكرانيا سنة 2004، كما شغل منصب مستشار للرئيس الجورجي السابق ميخائيل ساكاشفيلي بين عامي 2008 و2012. ويستند في تقديم مشروعه السياسي إلى تجربة دولية يقول إنها أسهمت في تشكيل رؤيته، مع التركيز على التحول البيئي والتقدم الاجتماعي.
وفي البرلمان الأوروبي، اشتهر بدفاعه عن أقلية الأويغور المسلمة في الصين وبمواقفه المنتقدة لروسيا في عهد فلاديمير بوتين، فضلا عن دعمه لأوكرانيا ورئيسها فولوديمير زيلينسكي. ومع ذلك، لا يزال يواجه انتقادات من خصومه بشأن ابتعاده عن الانشغالات اليومية للفرنسيين وارتباطه بالأوساط الباريسية، إلى جانب مواقفه السياسية السابقة وعلاقاته الدولية.
وبفوزه في الانتخابات التمهيدية، يعزز غلوكسمان موقعه داخل اليسار الاجتماعي الديمقراطي، غير أن قدرته على تحويل هذا التقدم إلى قاعدة انتخابية أوسع ستظل مرتبطة بمدى نجاحه في تجاوز الانقسامات الداخلية وتقديم مشروع قادر على استقطاب الناخبين خلال الاستحقاق الرئاسي المقبل.




















