باحدة عبد الرزاق
كنت في بيتي رفقة أسرتي، في مساء عادي لا يحمل أي شيء استثنائيا. وبينما كانت زوجتي تبحث عن بعض مستلزمات البيت عبر تطبيق شهير، كان ابني منشغلا باللعب على هاتفه، وأنا بدوري كنت أتصفح هاتفي بحثا عن خبر أو معلومة. في دقائق قليلة، اكتشفت أننا، من دون أن نغادر أماكننا، كنا نتعامل مع العالم الخارجي بأكثر من طريقة.
طلب لمنتج، بحث عن سعر، إعلان يقود إلى متجر، أداء إلكتروني، ومعلومة تصل في اللحظة نفسها التي نحتاجها فيها.
لم يكن أحد منا يفكر في الأمر باعتباره «ثورة رقمية». كنا فقط نستعمل الهاتف كما نستعمل أي أداة يومية. لكن المشهد البسيط جعلني أتوقف عند سؤال أكبر: متى أصبح الهاتف جزءا من حياتنا الاقتصادية إلى هذا الحد؟
السؤال ليس مبالغة في زمن أصبح فيه المغرب يقترب من الاتصال الرقمي الشامل. فعدد مستخدمي الإنترنت يقترب من أربعين مليون شخص، فيما ارتفع عدد المغاربة الذين يشترون أو يطلبون منتجات عبر الإنترنت بين 2019 و2024 بنحو 3.7 ملايين شخص، أي بزيادة تقارب 65 في المائة.
هذه الأرقام لا تتحدث فقط عن مغاربة أصبحوا أكثر استعمالا للإنترنت، وإنما عن سلوك استهلاكي جديد يتشكل أمام أعيننا.
فالمستهلك لم يعد مضطرا دائما إلى الذهاب إلى السوق؛ السوق هو الذي أصبح يصل إليه.
ومن شاشة الهاتف، يستطيع المغربي اليوم أن يختار ملابسه، ويطلب غذاءه، ويحجز سفره، ويقتني مستحضرات التجميل، ويقارن الأسعار، ثم يؤدي ثمن ما اختاره دون أن يقطع المسافة بين منزله والمتجر.
وتكشف معطيات الوكالة الوطنية لتقنين المواصلات حجم هذا التحول: الملابس والأحذية واللوازم الرياضية تتصدر المشتريات عبر الإنترنت بنسبة 70.5 في المائة من المشترين الإلكترونيين، فيما بلغت المواد الغذائية والبقالة 34.8 في المائة، ومستحضرات التجميل 33.4 في المائة، وخدمات السفر 27.1 في المائة.
لكن القصة لا تتعلق فقط بما يشتريه المغربي، وإنما بالطريقة التي يؤدي بها ثمن مشترياته. ففي 2024، عالجت منظومة الأداء الإلكتروني أكثر من 200 مليون عملية، فيما تجاوز عدد نقاط البيع المجهزة 80 ألف نقطة، وبلغت حصة المعاملات اللاتلامسية 75 في المائة.
هنا تحديدا يتغير معنى الهاتف. لم يعد مجرد وسيلة للعثور على المنتج؛ أصبح جزءا من عملية الشراء نفسها. بل إن تطور خدمات مثل «Tap to Mobile» جعل الهاتف الذكي قادرا على أن يتحول إلى أداة يستقبل بها التاجر المدفوعات.
أي أن الهاتف الذي كان يوضع في جيب المستهلك أصبح قادرا، في الوقت نفسه، على أن يتحول إلى متجر في جيب التاجر.
هذه ليست قصة عن التكنولوجيا فقط. إنها قصة عن تحول في الاقتصاد وفي علاقة المغربي بالسوق.
التاجر الصغير الذي كان ينتظر الزبون أمام باب متجره، يستطيع اليوم أن يبحث عنه في هاتفه. والمستهلك الذي كان يقارن الأسعار بين متجرين أو ثلاثة، يستطيع أن يقارن عشرات العروض خلال دقائق. وبين الطرفين ظهرت منصات جديدة، وأساليب جديدة للإعلان، وطرق جديدة للأداء، وأيضا مخاطر جديدة تتعلق بالاحتيال وجودة المنتجات وحماية المعطيات الشخصية.
لذلك، فإن السؤال لم يعد ما إذا كان المغربي قد دخل العالم الرقمي؛ الأرقام حسمت الأمر. السؤال الحقيقي هو: هل نحن أمام تغيير في أدوات الاستهلاك فقط، أم أمام ولادة مستهلك مغربي جديد؟
مستهلك لا ينتظر السوق، بل يبحث عنه في هاتفه. ولا يكتفي بشراء المنتج، بل يقرأ آراء الآخرين حوله، ويقارن الأسعار، ويتتبع طلبه، ويؤدي ثمنه، ثم يمنح تقييمه للبائع.
إنها حلقة اقتصادية كاملة تختصر أحيانا في شاشة لا تتجاوز بضع بوصات.
ولذلك فإن الرهان المقبل لا يتعلق فقط بتوسيع استعمال الإنترنت أو تعميم وسائل الأداء الإلكتروني، وإنما ببناء الثقة في هذا الاقتصاد الجديد، وحماية المستهلك، وتأهيل التجار، وتنظيم المنصات، حتى لا تتحول سرعة الرقمنة إلى سرعة في انتشار الاحتيال أيضا.
في ذلك المساء، لم نغادر المنزل، لكن السوق جاء إلينا.
وربما هذه هي الصورة الأكثر بساطة للتحول الذي يعيشه المغرب اليوم: لم يعد المغربي يذهب دائما إلى السوق بحثا عن حاجته؛ السوق أصبح يبحث عنه داخل هاتفه.




















