خرج البعض اليوم يغردون بما لا يفقهون، ويعبرون عن جهلهم بأبسط قواعد الاقتصاد، وهم يشنون حملة بئيسة على والي بنك المغرب عبد اللطيف الجواهري، متوقفين عند راتبه وامتيازاته، وكأن الرجل موظف إداري عادي، لا مسؤول عن مؤسسة يوجد في صميم مهامها الحفاظ على الاستقرار النقدي والمالي للمملكة.
إن مهاجمة والي البنك المركزي بهذه الطريقة أشبه بإطلاق الرصاص على القدم. فالمطلوب من الجواهري ليس أن يكون شعبيا، بل أن يكون مستقلا وقادرا على اتخاذ القرارات التي تحمي الاقتصاد، حتى عندما لا تكون تلك القرارات أو التصريحات على هوى البعض.
يكفي أن نطرح سؤالا بسيطا: ماذا كان سيحدث لو تحولت السياسة النقدية إلى قرار خاضع للمزايدات والحسابات السياسية؟ عندها لن يكون النقاش حول راتب الوالي، بل حول قيمة الدرهم نفسه، وحول قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات الخارجية.
ولأكثر من عقدين، قاد الجواهري بنك المغرب خلال أزمات دولية كبرى، من الأزمة المالية العالمية إلى جائحة كورونا ثم موجة التضخم وارتفاع أسعار الطاقة، فيما حافظ الدرهم على استقرار لافت، ودخل المغرب منذ 2018 في مسار تدريجي لتحرير نظام الصرف وتوسيع هامش حركة العملة.
والذين يختزلون الرجل في راتبه، يمكن أن نسألهم ببساطة: هل تقارنون قيمة المسؤولية بحجم الراتب فقط؟ وهل تظنون أن كفاءة من يتولى إدارة السياسة النقدية لبلد يمكن أن تقاس بمنطق موظف عادي؟ ثم إن الكفاءات المالية من هذا المستوى لها قيمة كبيرة في القطاع الخاص، حيث يمكن أن تكون عروضها المهنية أضعاف ما تتقاضاه في الوظيفة العمومية.
أما تصريحات الجواهري حول الدعم المباشر، فقد تعامل معها البعض بالطريقة نفسها التي تعامل بها قوم مع قوله تعالى: «ولا تقربوا الصلاة»، فتوقفوا عند نصف الجملة وتركوا بقيتها.
فالجواهري لم يقل إن الدعم يجب أن يلغى، ولم يقل إن الفقراء لا يستحقونه. قال إن الدعم قد يكون ضروريا في ظروف معينة، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى سياسة هيكلية دائمة، وأن الحل المستدام للفقر والبطالة هو النمو وخلق فرص الشغل، وأن مستقبل الدعم قرار يرتبط ببرنامج الحكومة وأولوياتها. فأين المشكلة في هذا الكلام؟
المشكلة أن بعض الأصوات لا تريد من المسؤول الاقتصادي أن يقدم تحليلا، بل تريد منه أن يقول ما يرضي الجمهور. وهذه ليست سياسة اقتصادية، بل ديماغوجية.
ثم إن الجواهري، الذي يجري تقديمه اليوم وكأنه لا يفهم شيئا في السياسة النقدية، حصل على درجة A في تصنيف Central Banker Report Cards الصادر عن مجلة Global Finance، ضمن تقييم دولي لأداء محافظي البنوك المركزية. “Global Finance – Central Banker Report Cards 2025“يمكن انتقاد الجواهري، بل يجب انتقاده إذا أخطأ، لكن بالنقاش الاقتصادي والأرقام، لا بمنشورات تختزل عمل البنك المركزي في الراتب والامتيازات.
من يريد محاسبة والي بنك المغرب فليحاسبه على التضخم، وسعر الفائدة، واستقرار الدرهم، والاحتياطيات، والائتمان، وأداء القطاع البنكي. أما الوقوف عند الراتب وترك كل هذه الملفات، فليس نقدا اقتصاديا، بل شعبوية صاخبة.
والمفارقة أن من يظنون أنهم يضربون الجواهري، قد يكونون في الحقيقة يضربون الثقة في المؤسسة التي يفترض أن تحمي قيمة الدرهم.
المغاربة ليسوا قطيعا حتى تمرر عليهم هذه القراءة السطحية، والاقتصاد ليس مجالا لمن يطلق الأحكام قبل أن يفهم ما الذي يديره بنك مركزي.




















