باحدة عبد الرزاق
لا تبدأ معركة الأسعار من الأسواق التي يقصدها المواطن يوميا، ولا تنتهي عند محاضر المراقبة التي تحررها اللجان المختصة، بل تمتد إلى حلقات متشابكة تبدأ من الحقل وميناء الصيد، وتمر عبر التخزين والنقل وأسواق الجملة والوسطاء، قبل أن تصل إلى المستهلك الذي يجد نفسه في مواجهة أسعار لا تعكس دائما حجم التكاليف والخدمات التي تحملتها مختلف مراحل التسويق.
من هذا المنطلق، يفتح مشروع قانون المالية لسنة 2027 جبهة جديدة في مواجهة غلاء المواد الأساسية، واضعا إصلاح مسالك التوزيع وتعزيز المنافسة وتتبع الأسعار ضمن الأدوات التي تراهن عليها الحكومة لإعادة التوازن إلى الأسواق وحماية القدرة الشرائية للأسر. ولا يتعلق الأمر، وفق التدابير الواردة في المذكرة التقديمية للمشروع، بمجرد تكثيف المراقبة الظرفية، بل بمحاولة إعادة تنظيم المنظومة التي تتشكل داخلها الأسعار، من خلال ضبط تكاليف الإنتاج والتخزين والنقل، ومراجعة هوامش الوساطة، وتعزيز شفافية المعاملات التجارية.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه مع اقتراب تنزيل هذه الإجراءات خلال السنة المقبلة هو: هل تستطيع الحكومة الانتقال من تشخيص اختلالات السوق إلى تفكيك أسبابها الفعلية، بما يضمن ألا تبقى الأسعار المرتفعة عبئا على المستهلك، فيما تظل حلقات تكوينها بعيدة عن المراقبة والمساءلة؟
تكمن أهمية المقاربة الجديدة في أنها تضع منظومة التسويق ضمن صلب النقاش حول غلاء المعيشة، بعدما ظلت تدخلات كثيرة تنصب على مراقبة الأسعار عند نقطة البيع، دون أن تكشف بالضرورة عن المسار الذي قطعته السلعة قبل وصولها إلى المستهلك، أو عن طبيعة التكاليف والهوامش المتراكمة بين المنتج وتاجر التقسيط.
وتبرز هذه الإشكالية بصورة خاصة في المنتجات الفلاحية والغذائية، حيث تتداخل تقلبات الإنتاج مع تكاليف النقل والتخزين والتلفيف، فضلا عن تعدد حلقات الوساطة وتفاوت القدرة التفاوضية بين المنتجين والمشترين. وفي هذا السياق، أشار تقرير للبنك الدولي حول التضخم والتفاوتات بالمغرب إلى أن بعض الدراسات تفيد بإمكان تضاعف أسعار منتجات غذائية أربع مرات بين المنتج والمستهلك، مع التنبيه إلى أن هذا الفارق لا يمكن اعتباره، في حد ذاته، دليلا على وجود مضاربة، ما لم تتم مقارنة الزيادة بالقيمة المضافة والتكاليف المتحملة في مختلف مراحل التسويق.
وتكشف هذه المعطيات عن جوهر التحدي الذي يواجه الإصلاح: ليس كل وسيط مضاربا، وليس كل ارتفاع في الأسعار نتيجة ممارسة غير مشروعة، لكن تعدد الوسطاء وضعف وصول المنتجين إلى الأسواق ونقص المعلومات حول الأسعار يمكن أن تخلق ظروفا تسمح باتساع هوامش تجارية يصعب تفسيرها أو مراقبتها.
لذلك، فإن نجاح الحكومة لن يقاس فقط بقدرتها على ضبط أسعار البيع بالتقسيط، بل أيضا بمدى تمكنها من تحديد مصدر الزيادات المتتالية، والتمييز بين الارتفاع الناتج عن ندرة العرض أو زيادة التكاليف، والارتفاع المرتبط باختلالات المنافسة أو التخزين لأغراض المضاربة.
في صلب هذا التوجه، يبرز مشروع إحداث ست شركات جهوية للتوزيع في الأحواض الفلاحية الكبرى بسوس وتادلة والغرب واللوكوس ودكالة عبدة والشرق، باعتباره أحد أبرز التدابير التي تراهن عليها الحكومة لإعادة تنظيم العلاقة بين المنتجين والأسواق.
ولا يقترح المشروع، وفق المذكرة التقديمية، إنشاء وسيط عمومي يحتكر شراء المنتجات وإعادة بيعها، وإنما إحداث بنيات تقدم خدمات التجميع والفرز والتلفيف والتبريد والنقل، وتتيح للفلاحين والتعاونيات تسويق منتجاتهم بالمزاد أو بموجب عقود مع مختلف المشترين، مع فتح المجال أمام قنوات التسويق المباشر والقصير وأسواق الجملة.
وتكمن أهمية هذه الصيغة في إمكانية منح المنتجين بدائل تجارية أوسع، وتقوية قدرتهم على التفاوض، وتقليص اعتمادهم على حلقات الوساطة التي قد تفرض عليهم شروطا لا تعكس القيمة الحقيقية لمنتجاتهم. كما يمكن لتنويع قنوات التسويق أن يتيح للمشترين منافذ متعددة للتزود، بما يفتح المجال أمام منافسة أكبر على الأسعار والخدمات.
لكن هذه الأهداف ستظل رهينة بكيفية تنزيل المشروع على أرض الواقع. فإحداث الشركات وحده لا يضمن خفض الأسعار، ما لم تتوفر لها البنيات اللوجستية الضرورية، وتحدد مسؤولياتها بوضوح، وتخضع لتدبير شفاف يضمن المساواة بين الفاعلين. كما أن نجاحها يتطلب ألا تتحول تكاليف تشغيلها إلى أعباء جديدة تضاف إلى سعر المنتوج النهائي.
ومن ثم، فإن المؤشر الأهم ليس عدد الشركات التي سيعلن عن إحداثها، بل قدرتها على توفير خدمات أقل كلفة، وخلق منافذ تسويق فعلية أمام المنتجين، وإحداث فارق قابل للقياس في أسعار البيع بين الحقل والسوق.
وبموازاة ذلك، يراهن مشروع قانون المالية على إعداد إطار تشريعي جديد لأسواق الجملة، يحدد شروط إحداثها وتدبيرها، ويوضح مسؤوليات الدولة والجماعات الترابية، وحقوق تجار الجملة والوسطاء والتزاماتهم. كما يتضمن مراجعة نظام الوكلاء، وفصل الجبايات المحلية عن إلزامية المرور الفعلي عبر أسواق الجملة.
ويستهدف هذا الإصلاح إعادة النظر في القواعد التي تؤطر تسويق المنتجات الغذائية، وتوسيع خيارات البيع والشراء، وتحسين شفافية الأسعار والرسوم. فحين يصبح المرور عبر قناة معينة مرتبطا باعتبارات تنظيمية أو جبائية أكثر من ارتباطه بخدمة اقتصادية فعلية، قد يتحمل المنتوج تكاليف إضافية لا تقابلها بالضرورة قيمة مضافة متناسبة.
غير أن تحديث أسواق الجملة لا ينبغي أن يقتصر على البنايات والتجهيزات، بل يتطلب إصلاح طريقة اشتغالها، وتوضيح قواعد الولوج إليها، وضبط الرسوم والخدمات، وتعزيز المنافسة بين مختلف قنوات التسويق. فالبنية الحديثة قد تحسن ظروف العمل والتخزين، لكنها لن تحقق هدفها إذا استمرت الاختلالات نفسها في تدبير المعاملات وتكوين الأسعار.
ولا تقل أهمية عن إصلاح قنوات التوزيع الخطوة المتعلقة بإرساء نظام وطني للمعلومات حول أسواق المواد الغذائية، يتيح تتبع الأسعار عند الإنتاج والجملة والتقسيط، إلى جانب مستويات المخزون وتدفقات التموين، مع إحداث آليات للإنذار عند تسجيل ارتفاع غير اعتيادي في الهوامش التجارية أو اضطراب في توفر المنتجات.
وتكمن قيمة هذه الآلية في أنها قد تنقل المراقبة من التدخل بعد وقوع الزيادة إلى رصد المؤشرات التي تسبقها أو تفسرها. فمعرفة السعر الذي بيع به المنتوج عند المصدر، ومقارنته بسعره في مراحل التسويق اللاحقة، يمكن أن تساعد على تحديد الحلقات التي تتسع فيها الفوارق، شريطة أن تشمل البيانات تكاليف النقل والتخزين والتلفيف والخدمات الأخرى.
كما أن الإدماج التدريجي للفوترة الرقمية وتعزيز التتبع الصحي والجبائي قد يتيحان للسلطات رصد المعاملات بصورة أدق، ومحاصرة التخزين لأغراض المضاربة، والغش في الوزن والجودة، والممارسات المنافية للمنافسة.
لكن فعالية هذه الأدوات ستظل مرتبطة بمدى انتظام التصريح بالمعاملات، وجودة المعطيات المجمعة، وسرعة تبادلها بين الإدارات المعنية، وقدرة أجهزة المراقبة على التحرك بناء على مؤشرات واضحة. فامتلاك البيانات لا يكفي وحده لمحاربة الاختلالات، ما لم يتحول إلى قرارات عملية، وإجراءات قانونية عند ثبوت المخالفات، ومتابعة لنتائج التدخلات.
ولا تنفصل مراقبة الممارسات التجارية عن قدرة السوق على توفير المنتجات الأساسية بكميات كافية. فحين يتراجع العرض أو تظهر مؤشرات على خصاص مرتقب، تتسع احتمالات تقلب الأسعار، سواء بفعل عوامل موضوعية مرتبطة بالإنتاج والموسمية، أو نتيجة ممارسات تستغل ندرة المنتوج.
ولهذا، ينص مشروع قانون المالية على إعداد مخططات موسمية للتموين تشمل الحبوب والبطاطس والبصل والطماطم واللحوم الحمراء والسردين وزيت الزيتون، بهدف مواءمة حاجيات السوق الداخلية مع الإنتاج المتوقع والمخزونات المتاحة والصادرات المتعاقد بشأنها. كما يتيح هذا التصور استباق حالات الخصاص من خلال تعبئة المخزونات، أو دعم الإنتاج، أو اللجوء المؤقت إلى الاستيراد عند الضرورة.
وتتضمن الإجراءات أيضا إمكانية ضبط الصادرات في حالات الخصاص الاستثنائي أو التقلبات التي تهدد تموين السوق الداخلية، على أن تكون التدابير مؤقتة ومتناسبة مع الوضعية، وتستند إلى معايير تتعلق بالمخزون والأسعار ومدة تغطية الحاجيات، مع مراعاة الالتزامات التجارية والعقود القائمة.
وتعكس هذه التدابير أهمية التدخل المبكر في مواجهة الاختلالات، لكنها تضع الحكومة أمام ضرورة تحقيق توازن دقيق بين حماية المستهلك وضمان استقرار تموين السوق من جهة، والحفاظ على مصالح المنتجين والمصدرين واستمرارية الاستثمار من جهة أخرى. فالتدخل الناجع هو الذي يستند إلى مؤشرات معلنة، ويعالج الخصاص الفعلي، ولا يضعف الحوافز على الإنتاج أو يخلق اضطرابا جديدا في قرارات الفاعلين الاقتصاديين.
على الرغم من اتساع الإجراءات المقترحة، فإن الرهان الأكبر سيظل مرتبطا بقدرة هذه الإصلاحات على إحداث أثر ملموس في الحياة اليومية للأسر. فالمواطن لا يقيس نجاح السياسة العمومية بعدد المخططات الموسمية أو الشركات المحدثة أو الأنظمة المعلوماتية، بل بما إذا كان يستطيع شراء المواد الأساسية بأسعار معقولة، وبما إذا كانت الزيادات التي يتحملها مبررة بتكاليف حقيقية.
ولهذا، فإن تقييم نتائج مشروع قانون المالية لسنة 2027 يتطلب اعتماد مؤشرات واضحة، من بينها تطور الفارق بين أسعار المنتجين وأسعار البيع بالتقسيط، وتغير تكاليف النقل والتخزين والتسويق، ومدى تراجع الهوامش غير المبررة عند ثبوتها، وتطور توفر المنتجات الأساسية في الأسواق، فضلا عن قياس انعكاس الإصلاحات على الأسعار النهائية.
كما يتطلب الأمر التمييز بين خفض الأسعار بصورة مستدامة وبين مجرد تهدئتها خلال فترات معينة بفعل تحسن الإنتاج أو تراجع الطلب أو اللجوء إلى الاستيراد. فالمعالجة الهيكلية لا تقتصر على احتواء موجات الغلاء، وإنما تستهدف تقليص العوامل التي تجعل السوق عرضة لاختلالات متكررة.
يضع مشروع قانون المالية لسنة 2027 الحكومة أمام اختبار يتجاوز تشديد المراقبة إلى إعادة تنظيم السوق على أسس أكثر شفافية وتنافسية. فإحداث شركات جهوية للتوزيع، وتحديث أسواق الجملة، ورقمنة المعاملات، وتعزيز تتبع الأسعار والتموين، تشكل حلقات مترابطة في مسار إصلاحي واحد، لكن أثرها لن يتحدد بمجرد الإعلان عنها، بل بمدى تنفيذها ونجاعتها وقدرتها على تغيير قواعد اشتغال السوق.
فالمعركة الحقيقية ضد المضاربة لا تبدأ من فرض سعر لا يعكس واقع السوق، ولا تنتهي عند تحرير محضر مخالفة، وإنما تمر عبر كشف كيفية تشكل الأسعار، ومحاسبة الممارسات غير المشروعة، وتوسيع المنافسة، وتقليص التكاليف التي لا تقابلها قيمة مضافة. وعندما يصبح فارق السعر بين المنتج والمستهلك أكثر وضوحا وتبريرا، وتنعكس مكاسب الإصلاح على القدرة الشرائية، يمكن حينها الحديث عن انتقال محاربة المضاربة من الوعود إلى النتائج.






















