هيئة التحرير/
خلال مباشره الأخير، أعاد اليوتيوبر محمد تحفة طرح سؤال يخيف المتاجرين بهموم الناس: كيف يمكن أن يتحول ملف استقطب مئات المحامين وعشرات المنظمات الحقوقية داخل المغرب وخارجه إلى قضية انتهى فيها المتهم الرئيسي شبه
وحيد في مواجهة مصيره القضائي؟
في بداية أحداث الحسيمة، تشكلت حول ناصر الزفزافي هالة إعلامية وحقوقية غير مسبوقة. مئات المحامين أعلنوا استعدادهم للترافع عنه، ومنظمات حقوقية وطنية ودولية تبنت الملف وقدمت رواية تعتبر أن الأمر يتعلق أساساً
باحتجاجات اجتماعية ومطالب تنموية مشروعة.
لكن مع انتقال الملف من الشارع إلى قاعة المحكمة، بدأت
الصورة تتغير تدريجياً.
فالمحاكمات لا تُبنى على الشعارات ولا على الهتاف، وإنما على المحاضر والأدلة والوثائق والتسجيلات والمعطيات التي تعرضها الأطراف أمام القضاء. وعندما بدأت تفاصيل الملف تُناقش داخل الجلسات، برزت معطيات دفعت عدداً من الأصوات التي كانت تتصدر المشهد إلى التراجع أو إلى خفض مستوى انخراطها في الدفاع الإعلامي والسياسي عن القضية.
وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: لماذا لم تستمر تلك التعبئة الحقوقية والإعلامية بنفس القوة التي ظهرت بها في البداية؟
لأن جزءا من الداعمين كانوا يتعاملون مع الملف باعتباره ملف مطالب اجتماعية فقط، لكنهم وجدوا أنفسهم أمام معطيات أخرى أكثر تعقيداً وحساسية، تتعلق باتصالات وعلاقات ومشاريع كانت تتجاوز بكثير سقف المطالب الاجتماعية التي
رُفعت في البداية.
معطيات كشفت عن مشروع انفصالي محض!
سواء اتفق المرء أو اختلف مع هذه القراءة، فإن ما لا يمكن إنكاره هو أن الحماس الأولي الذي رافق الملف تراجع بشكل لافت مع تقدم المسار القضائي. فالمنظمات التي كانت تملأ الفضاء الإعلامي بالبيانات اختفت، وعدد كبير من المحامين الذين أعلنوا التعبئة تراجعوا، بينما بقي الملف يتحرك داخل المؤسسات القضائية وفق مساره القانوني.
هذه الواقعة تكشف درساً مهماً في الحياة العامة: كثير من القضايا تُبنى في بدايتها على السرديات والانفعالات، لكن لحظة مواجهة الوقائع والمعطيات الملموسة تكون دائماً هي الاختبار الحقيقي للمواقف.
ولهذا فإن السؤال لا يتعلق فقط بناصر الزفزافي، بل بكل القضايا التي تتحول إلى معارك إعلامية وسياسية قبل أن يقول القضاء كلمته. فبين الخطاب العاطفي والملف القضائي مسافة كبيرة، وبين صناعة الرمز ومواجهة الوقائع فرق شاسع.
وربما لهذا السبب بالذات اختفى كثيرون من المشهد بعدما كانوا في الصفوف الأمامية. فحين ترتفع حرارة الشعارات يكون الحضور سهلاً، أما عندما تبدأ الأسئلة الصعبة في الظهور، فإن كثيراً من الأصوات تفضل المغادرة بصمت.





















