في كل مشروع، لا تكون الهزيمة أخطر ما يمكن أن يحدث، الأخطر هو أن يتحول الحزن إلى ستار يحجب الحقيقة، وأن تتحول العاطفة إلى بديل عن التقييم، فالأمم لا تتقدم لأنها لا تخسر، وإنما لأنها تعرف كيف تقرأ خسائرها، وتحوّلها إلى بداية جديدة.
نعم، خسر المغرب مباراة. لكنه لم يخسر مستقبله. المستقبل لا يُحسم في تسعين دقيقة، بل في سنوات من العمل، والإصلاح، والجرأة على مواجهة الحقيقة كما هي، لا كما نحب أن نراها
لهذا، فإن البكاء اليوم ليس موقفاً. إنه هزيمة ثانية.
من حق المغاربة أن يغضبوا. فالشارع لا يعترف إلا بالانتصار! منذ مونديال قطر، لم يعد هذا الشعب يتقبل الهزيمة. لقد اعتاد أن يرى رايته بين الكبار، وأن يحلم بما كان يُعتبر مستحيلاً قبل سنوات. ولذلك، فإن الخروج من ربع النهائي لا يُقرأ باعتباره فشلاً، بل باعتباره تراجعاً عن السقف الذي صنعه المغرب بنفسه
عندما بلغ نصف نهائي كأس العالم غي قطر.
لكن، بعيداً عن الانفعال، لا بد من الاعتراف بحقيقة أساسية.
لقد واجه المغرب منتخباً يملك من الإمكانيات البشرية والفنية ما يجعله أحد أقوى منتخبات العالم. غير أن ذلك لا يمنع من القول إن المنتخب المغربي لم يلعب، في كثير من فترات المباراة، بالشخصية التي عرفناه بها. بدا الفريق بلا الروح التي صنعت معجزته في قطر، واستقبل هدفاً أول من خطأ دفاعي كان يمكن تفاديه، ثم هدفاً ثانياً كشف هشاشة أكبر في المنظومة. ولولا يقظة ياسين بونو، لكانت النتيجة أثقل وأكثر قسوة.
لكن القضية ليست في فرنسا.
القضية في المغرب.
لقد آن أوان التقييم.
فهل نزيل “الجلالة” عن أعيننا و نضع الإصبع على الجرح؟
وليس المقصود تقييم مباراة واحدة، ولا تحميل مدرب أو لاعب مسؤولية الإقصاء، وإنما مراجعة مشروع كامل، لأن هذا المشروع ليس ملكاً لأشخاص، بل مشروع ملكي وطني ا استثمرت فيه الدولة، ومُوِّل من المال العام، وعلّقت عليه جماهير بأكملها آمالها.
فوزي لقجع… ماذا حدث؟
هل وصل المشروع إلى لحظة تستوجب مراجعة هادئة وشجاعة؟
هل ما زالت المنظومة تشتغل بالروح نفسها التي صنعت إنجازات السنوات الماضية، أم أن النجاح بدأ يخلق حولها مناطق راحة لا تساعد على التطور؟
وهل نملك الشجاعة لتصحيح الهفوات، ومراجعة الاختيارات، واستبعاد كل ما أصبح عبئاً على المشروع، مهما كانت الأسماء أو المواقع؟
ثم هناك سؤال آخر، ربما يكون أكثر إلحاحاً.
أي منتخب نريد؟
هل نريد منتخباً من لاعبي كرة القدم… أم منتخباً من المؤثرين على مواقع التواصل؟
هل نريد محترفين يعيشون للمباراة… أم نجوماً يعيشون للكاميرا؟
هل نريد “مالين الركابي” حقيقيين يحملون قميص المنتخب بثقل المسؤولية… أم عارضي أزياء يتنافسون على أفضل صورة، وأجمل “ستوريات”، وأكثر “ترند”؟
هل نريد “دراري للثيران” أو موديلات للوصلات الاستشهارية؟
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مشروع ناجح، هو أن تتسلل
إليه ثقافة الاستعراض. فـ”الشو” قد يصنع شهرة، لكنه لا يصنع بطولة. والترند يعيش ساعات، بينما الألقاب تبقى في ذاكرة الشعوب لعقود.
المنتخب الوطني لا يحتاج إلى مزيد من الكاميرات، بل إلى مزيد من العمل. لا يحتاج إلى صناعة نجوم خارج الملعب، بل إلى صناعة شخصيات داخله. لأن المباريات تُحسم في التدريبات، لا في منصات التواصل، والبطولات تُبنى بالانضباط، لا بعدد المتابعين.
و أهم من كل ما سبق.
كيف نريد منافسة فرنسا وإسبانيا وإنجلترا، ونحن لا نزال نعاني من بطولة وطنية لم تبلغ بعد المستوى الذي يفرز باستمرار لاعبين جاهزين للمنتخب الأول؟
لقد كان المشروع الملكي لتطوير كرة القدم رؤية متكاملة، تبدأ من التكوين، وتمر عبر البطولة الوطنية، وتنتهي بالمنتخب. وإذا اختلّت إحدى حلقات هذه السلسلة، فإن النتائج، مهما تأخرت، ستكشف ذلك.
لهذا، فإن المطلوب اليوم ليس تغيير الوجوه من أجل التغيير، ولا البحث عن كبش فداء يهدئ غضب الشارع.
المطلوب هو ثقافة المحاسبة.
أن نمتلك شجاعة السؤال قبل أن نبحث عن الأجوبة.
أن نعترف بما نجح، وبما أخفق.
وأن ندرك أن المشروع الذي لا يراجع نفسه، يحكم على نفسه بالتراجع.
فالهزيمة أمام فرنسا قد تكون مجرد نتيجة.
أما الهزيمة الحقيقية، فهي أن نغادر هذه البطولة كما دخلناها… من دون أن نتعلم شيئاً.





















