هناك لحظات في حياة المؤسسات لا تبدو، في ظاهرها، سوى إجراءات إدارية عادية، بينما هي في حقيقتها لحظات تأسيسية يتقرر فيها مستقبل مرحلة كاملة. وتعيين اللجنة المشرفة على انتخابات المجلس الوطني للصحافة هو من هذا النوع من اللحظات.
قد يظن البعض أن القضية لا تتجاوز اختيار بضعة أسماء، لكن التجارب تعلمنا أن الأسماء ليست مجرد أشخاص، وإنما هي، في النهاية، تأويل للقانون، وترجمة لفلسفته، وانعكاس للإرادة السياسية التي تقف خلفه.
لقد صدر القانون الجديد المنظم للمجلس الوطني للصحافة، وطويت صفحة طويلة من النقاش السياسي والمؤسساتي الذي رافق ميلاده. ومع نشره في الجريدة الرسمية، لم يعد السؤال: ماذا يقول القانون؟ وإنما أصبح السؤال الأكثر أهمية: كيف سيُقرأ القانون؟ ومن سيقرأه؟
هذه هي القضية الحقيقية.
فاللجنة المرتقب تعيينها، والتي تشير كل المعطيات إلى أنها سترى النور خلال الأسبوع المقبل، ليست لجنة تقنية مكلفة بإعداد لوائح الناخبين أو تحديد مواعيد الاقتراع فحسب، وإنما هي السلطة التي ستضع القواعد العملية لأول انتخابات تجرى في ظل النص الجديد، وهي التي ستحدد، بقراراتها وتأويلاتها، شكل المجلس الوطني للصحافة لسنوات قادمة.
ولأول مرة، تأتي تركيبة اللجنة أكثر تنوعاً. فهي تضم قاضياً منتدباً عن السلطة القضائية، وعضواً منتدباً عن المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وآخر عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، إضافة إلى عضوين يعينهما رئيس الحكومة. وهي تركيبة تبدو، من حيث المبدأ، أقرب إلى منطق التوازن المؤسساتي منها إلى منطق التدبير الإداري التقليدي.
لكن التاريخ يعلمنا أن جودة المؤسسات لا يصنعها النص وحده، وإنما يصنعها الرجال والنساء الذين يطبقونه.
ولهذا فإن السؤال الأول ينبغي أن يوجه إلى الجهات التي ستختار هؤلاء الأعضاء: هل سيكون معيار الاختيار هو الكفاءة والاستقلال والحياد؟ أم أن منطق التوازنات سيعود ليفرض نفسه، فنجد أنفسنا أمام لجنة تبدأ عملها وهي مثقلة بحسابات لا علاقة لها بالمصلحة العامة؟
ثم يأتي السؤال الأصعب… وهو السؤال الذي لا يريد كثيرون طرحه.
كيف ستفهم اللجنة فلسفة القانون؟
هل ستقرأ مواده قراءة حرفية جامدة، أم ستستحضر الاجتهادات التي أرستها المحكمة الدستورية، والتي أكدت أن التنظيم الذاتي للصحافة ليس مجرد عملية انتخابية، وإنما هو بناء مؤسسة مستقلة، قادرة على حماية حرية الصحافة، وصيانة أخلاقيات المهنة، وضمان تمثيلية حقيقية لمختلف مكوناتها؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول القانون الجديد إلى مجرد إعادة إنتاج للممارسات القديمة بأدوات جديدة.
فإذا كان المجلس الوطني للصحافة هو المؤسسة التي يفترض أن تحمي أخلاقيات المهنة، فمن الطبيعي أن يُطرح سؤال الأخلاق قبل سؤال الأصوات.
هل يكفي أن يستوفي المرشح الشروط الشكلية حتى يصبح مؤهلاً لتمثيل الصحافيين؟
وماذا عن السجل المهني؟
وماذا عن السوابق المرتبطة بأخلاقيات الممارسة؟
وهل يجوز أن يجلس في مؤسسة مهمتها الدفاع عن أخلاقيات الصحافة أشخاص ارتبطت أسماؤهم بانتهاكات أخلاقية معروفة أو صدرت في حقهم مقررات تأديبية؟
إن الديمقراطية لا تقوم على صندوق الاقتراع وحده، وإنما تقوم أيضاً على أهلية من يترشحون لطلب ثقة الناخبين.
والسؤال نفسه ينسحب على ممثلي الناشرين.
هل ستكتفي اللجنة باستلام الملفات كما تقدم إليها، أم أنها ستخضعها لتدقيق حقيقي؟
هل ستتحقق من المؤهلات العلمية والمهنية كلما كان القانون يقتضي ذلك؟
وهل سيكون احترام أخلاقيات النشر جزءاً من معايير تقييم الأهلية، أم سيظل موضوعاً مؤجلاً إلى ما بعد الانتخابات؟
إن هذه الأسئلة ليست ترفاً فكرياً، ولا محاولة للتشكيك في أحد، وإنما هي أسئلة تفرضها التجربة.
فالصحافة المغربية دفعت ثمناً باهظاً بسبب الأزمات التي عاشها المجلس في السنوات الماضية، ولا يملك أحد اليوم ترف إضاعة فرصة جديدة.
إن هدر الزمن التشريعي يمكن تعويضه بقانون جديد، لكن هدر الزمن الديمقراطي لا يعوض بسهولة، لأنه يهدر الثقة، وإذا ضاعت الثقة في مؤسسة التنظيم الذاتي، فإن الخاسر لن يكون المجلس وحده، بل ستكون الصحافة المغربية بأكملها.
ولذلك، فإن أول امتحان للقانون الجديد لن يكون يوم الاقتراع، وإنما سيبدأ منذ اللحظة التي تُعيَّن فيها اللجنة، ومن الطريقة التي ستفهم بها رسالتها.
فقد يكون بين نص جيد وتأويل سيئ مسافة تكفي لإفساد تجربة بأكملها، كما قد يكون بين نص عادي وتأويل حكيم فرصة لصناعة مؤسسة تحظى بالاحترام.
والأمم لا تتقدم بالنصوص وحدها، وإنما بالضمير الذي يقرأها، وبالعقول التي تملك الشجاعة لتطبيقها بروحها، لا بحروفها فقط.





















