لماذا يصر عدد من الصحافيين والناشرين على تحيين بطائق الصحافة قبل انتخابات المجلس الوطني للصحافة؟
الجواب ليس تقنياً فقط، ولا يتعلق بتغيير تاريخ مطبوع على قطعة بلاستيكية. المسألة أعمق من ذلك، لأنها تتعلق بطي صفحة كاملة، وبإعادة بناء الثقة في مؤسسة يفترض أن تبدأ ولايتها الجديدة من قاعدة انتخابية لا يطاردها إرث المرحلة السابقة.
لا يخفى على أحد ما خلفته واقعة التسريب التي نشرها حميد المهداوي، وما أثارته من نقاش واسع داخل الجسم الصحافي، حتى التصق بالمرحلة، في السجال المهني، تعبير «صحافة إيش إيش».
ولا يخفى أيضاً الجدل الذي رافق منظومة الدعم، وما ولدته من أوصاف ساخرة وغاضبة من قبيل «صحافة الفراقشية».
وقبل هذا وذاك، كانت هناك لائحة بطائق 2025، التي لم تسلم بدورها من السخرية والجدل، حتى أطلق عليها البعض «لائحة طاطا حنان».
قد نختلف حول عدالة هذه الأوصاف أو قسوتها، لكن لا يمكن تجاهل ما تعكسه: أزمة ثقة حقيقية داخل القطاع.
وبغض النظر عما خلفته تلك المرحلة من مكاسب للبعض، أو من شعور بالظلم والإقصاء لدى صحافيين آخرين، فإن بطاقة 2025 لم تعد، في نظر جزء من الجسم المهني، مجرد وثيقة إدارية. لقد أصبحت مرتبطة بمرحلة مثقلة بالنزاعات والاتهامات والخصومات.
فلماذا نجعلها حجر الأساس لانتخابات يفترض أنها تؤسس لمرحلة جديدة؟
إذا كنا نريد فعلاً انطلاقة جديدة للمجلس الوطني للصحافة، فمن الطبيعي أن تبدأ من بطاقة جديدة، ولائحة جديدة، وقواعد واضحة ومتساوية للجميع.
اللجنة الحالية، ما دامت تمارس اختصاصات المجلس خلال هذه المرحلة، يمكن أن تجعل أول أوراشها فتح باب منح وتجديد بطائق الصحافة المهنية لسنة 2026، وفق القانون والوثائق والمعايير المهنية الموضوعية.
قد يستغرق الأمر أسابيع أو بضعة أشهر. فما المشكلة؟
الطاقم الإداري موجود، وهو نفسه الذي راكم الخبرة في دراسة الملفات ومعالجتها. والوثائق المطلوبة معروفة، والمساطر يمكن تحديدها مسبقاً ونشرها بوضوح، والرقمنة تستطيع اختصار جزء كبير من الزمن الإداري.
بل إن هذا التحيين يمكن أن يتحول إلى ضمادة على جرح مهني قديم.
لأن الفرق هذه المرة يجب أن يكون جوهرياً: لا مكان للحسابات الشخصية، ولا للانتقائية، ولا لمنطق «هذا صديقي فأمنحه البطاقة، وذاك خصمي فأبحث عن سبب لمنعها عنه».
هناك ملف. وهناك وثائق. وهناك شروط قانونية. وهناك قرار معلل.
من يستوفي الشروط يحصل على بطاقته، ومن لا يستوفيها يعرف، كتابة وبوضوح، لماذا رُفض ملفه، مع ضمان ما يتيحه القانون من وسائل للتظلم والطعن.
وهنا نصل إلى الانتخابات.
فنزاهة انتخابات المجلس الوطني للصحافة لا تبدأ يوم وضع ورقة التصويت في الصندوق، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير، من تحديد من يملك أصلاً حق وضع تلك الورقة في الصندوق.
والهيئة الناخبة يجب أن تعكس الخريطة المهنية في سنة 2026، لا صورة مجمدة عنها في سنة 2025.
خلال هذه المدة، قد يكون صحافيون غادروا المهنة، وآخرون غيروا مؤسساتهم أو أوضاعهم المهنية، وهناك من التحق بالمهنة واستوفى شروطها وأصبح من حقه أن يشارك في اختيار من سيمثله.
لذلك فإن تحيين البطائق ليس محاولة لتعطيل الانتخابات، كما قد يصوره البعض.
بالعكس.
إنه محاولة لحماية الانتخابات من أول طعن سياسي وأخلاقي يمكن أن يوجه إليها: أن تكون قد انتخبت مجلس 2026 بهيئة ناخبة لا تعكس واقع المهنة في 2026.
لسنا في حاجة إلى السرعة من أجل السرعة. نحن في حاجة إلى بداية يصعب الطعن في مشروعيتها.
أربعة أشهر إضافية، إن كانت ضرورية، لا تساوي شيئاً في عمر مؤسسة يفترض أن تستمر سنوات.
أما انتخابات سريعة مبنية على لائحة تحمل كل جراح المرحلة السابقة، فقد تمنحنا مجلساً بسرعة، لكنها لن تمنحنا بالضرورة الشرعية والثقة اللتين يحتاجهما.
ولهذا فالسؤال الحقيقي ليس:
لماذا نحيّن بطائق 2025؟
بل ربما ينبغي قلب السؤال:
إذا كانت لدينا الإمكانية القانونية والإدارية لإصدار بطائق 2026 وبناء هيئة ناخبة محينة، فلماذا يصر البعض على الذهاب إلى الانتخابات بلائحة 2025؟ ومن المستفيد من استعجال لا يترك للقطاع فرصة تنظيف ذاكرته قبل انتخاب مستقبله؟





















