نجيبة جلال
حين يطلق فوزي لقجع منصة تواصلية تحمل عنوان «بوضوح»، ويعلن من خلالها أن الاعتراف بالأخطاء لم يعد كافياً وأن تصحيحها أصبح أمراً مستعجلاً، فإن هذا المبدأ لا ينبغي أن يتوقف عند حدود القطاعات الاجتماعية والاقتصادية. فهناك قطاع أكثر ارتباطاً بوعي المجتمع ومناعته واستقراره، ويحتاج بدوره إلى تصحيح عاجل وشجاع: قطاع الصحافة والإعلام.
فنحن اليوم أمام منتوج صحفي رديء في جزء واسع منه، وهذه ليست إهانة للمهنة بقدر ما هي توصيف لواقع لا يمكن الاستمرار في إنكاره. منتوج يفتقد، في كثير من الأحيان، إلى العمق والتحقيق والتحليل، ويقوم على إعادة تدوير البلاغات، وملاحقة الإثارة، وتصفية الحسابات، وصناعة عناوين سريعة تنتهي صلاحيتها بعد ساعات.
لكن رداءة المنتوج ليست سوى النتيجة الظاهرة. أما أصل الأزمة فيوجد في البنية التي أصبحت تتحكم في القطاع: ضعف التأهيل، هشاشة المقاولات الصحفية، غموض معايير الدعم، اختلاط المصالح المهنية بالحسابات الشخصية والسياسية، وعجز مؤسسات التنظيم الذاتي عن مواكبة التحولات العميقة التي قلبت مفهوم الإعلام نفسه.
وتتحمل وزارة الاتصال قسطاً كبيراً من المسؤولية في تكريس هذا الوضع. فبدل أن تؤسس لسياسة عمومية تجمع الجسم الصحفي حول قواعد مهنية واضحة، ساهم تدبيرها للقطاع في تعميق الانقسامات، وخلق مراكز نفوذ متنافسة، وإنتاج شعور متزايد لدى فئات واسعة من الصحافيين والناشرين بأن القرب من دوائر القرار أصبح أحياناً أكثر أهمية من الكفاءة والاستحقاق.
ويزداد المشهد غموضاً مع تداول اتهامات بشأن وجود علاقات شخصية تجمع بعض الناشرين بقياديين داخل حزب الأصالة والمعاصرة، وما يرافق ذلك من حديث عن انحياز أصبح عنواناً لهذه المرحلة. وهي اتهامات لا ينبغي التعامل معها بمنطق الإشاعة ولا التسليم بصحتها دون أدلة، لكن لا يجوز كذلك تجاهلها، خصوصاً عندما يوجد بعض أبرز الفاعلين المعنيين داخل تنظيمات وجمعيات تمثل الناشرين، بما يثير أسئلة مشروعة حول تضارب المصالح وحدود الاستقلالية.
المطلوب ليس محاكمة العلاقات الشخصية، بل حماية المؤسسات المهنية من تأثيرها. فالصحافة لا يمكن أن تُدار بمنطق الصداقة والولاء والقرب الحزبي، ولا يمكن أن تُبنى شرعية مؤسساتها على التوافقات المغلقة. وحين يتسع الشعور بالتحيز، يصبح الصمت الرسمي جزءاً من المشكلة، لأن الثقة لا تُحمى بالنفي، بل بالشفافية وتكافؤ الفرص ووضوح المعايير.
ونحن اليوم على أبواب انتخابات المجلس الوطني للصحافة، وسط مخاوف من أن تفرز العملية مجلساً أعرج منذ لحظة ولادته. مجلساً قد يكون مستوفياً للشروط الشكلية، لكنه عاجز عن تمثيل التحولات الحقيقية التي يعرفها القطاع، وعن احتواء أجياله الجديدة، وعن فهم طبيعة المهن والأجناس الإعلامية التي أنتجتها البيئة الرقمية.
فالمجلس الوطني للصحافة، بصيغته التقليدية، لم يعد وحده إطاراً كافياً لاستيعاب المجال الإعلامي. لقد كسرت منصات التواصل الاجتماعي الحدود القديمة بين الصحافي والناشر وصانع المحتوى والمواطن المنتج للمعلومة. كما تحولت الهواتف المحمولة والمنصات الرقمية والخوارزميات إلى مؤسسات نشر قائمة بذاتها، وأصبح شخص واحد يمتلك أحياناً قدرة على التأثير تفوق قدرة مقاولة صحفية بكاملها.
لا يعني ذلك إلغاء المعايير المهنية أو مساواة الصحافي بصانع المحتوى، بل يعني ضرورة الاعتراف بأن المجال تغير، وأن التنظيم الذاتي مطالب بإعادة تعريف حدوده وأدواره وأدواته. فالتمسك بتصور يعود إلى زمن الجريدة الورقية، في مواجهة واقع تحكمه المنصات والذكاء الاصطناعي والخوارزميات، ليس دفاعاً عن المهنة، بل انسحاباً من المستقبل.
والعالم، وليس المغرب وحده، يعيش اليوم ما يُسمى بحروب الجيل الخامس، حيث لم تعد المواجهات تعتمد حصراً على الجيوش والأسلحة التقليدية، بل أصبحت المعلومة والصورة والسردية والتلاعب بالإدراك أدوات أساسية في الصراع. وفي هذه الحروب يؤدي الإعلام دوراً محورياً في بناء الثقة أو هدمها، وفي تحصين المجتمعات أو اختراقها، وفي حماية المؤسسات أو تحويلها إلى أهداف للحملات النفسية والرقمية.
المشكلة أن كثيراً من الفاعلين في قطاعنا، إن لم يكن أغلبهم، لا يتوفرون على الأدوات المعرفية والتقنية اللازمة لفهم هذه التحولات. وبعضهم لا يزال يرفض الاعتراف بالأجناس الإعلامية الجديدة، لا لأنها تفتقر بالضرورة إلى القيمة، بل لأنه لا يمتلك أدواتها ولا يتحكم في لغتها وآليات إنتاجها وانتشارها.
لقد أصبحت لدينا صحافة البيانات، والتحقيقات مفتوحة المصدر، والصحافة الرقمية التفاعلية، وصناعة الفيديو القصير، والتحقق البصري، وتحليل الشبكات والخوارزميات، واستخدام الذكاء الاصطناعي في جمع المعلومات ومعالجتها. وهذه ليست مجرد تقنيات هامشية، بل هي جزء من البنية الجديدة للإعلام ومن ساحات الصراع على الوعي.
فهل يمكن أن نعهد بتنظيم صحافة الغد إلى عقليات ما زالت ترفض الاعتراف بأدواتها؟ وهل يستطيع مجلس يُنتخب وفق توازنات الأمس أن يحمي المهنة من مخاطر المستقبل؟ وهل يمكن الحديث عن التخليق والاستقلالية، بينما تحاصر العملية الانتخابية باتهامات التحيز وتضارب المصالح والقرب من القيادات الحزبية؟
هنا يصبح فوزي لقجع، بصفته قيادياً داخل حزب الأصالة والمعاصرة وصاحب خطاب يرفع عنوان الوضوح وتصحيح الأخطاء، أمام اختبار حقيقي. ليس المطلوب منه التدخل في انتخابات الصحافيين أو فرض أسماء على القطاع، بل المطلوب أن يعلن بوضوح رفض حزبه لأي استثمار للعلاقات الشخصية أو الحزبية للتأثير في مؤسسات التنظيم الذاتي، وأن يدافع عن انتخابات شفافة تنتج مجلساً قادراً على تمثيل المهنة كما أصبحت، لا كما كانت قبل عشرين سنة.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن ننتخب مجلساً ضعيفاً فقط، بل أن نمنحه شرعية شكلية لإدارة قطاع لم يعد يفهمه. فمجلس الصحافة المقبل لن يكون مطالباً بتدبير البطاقات المهنية والشكايات التأديبية وحدها، بل سيكون أمام تحديات تتصل بالأمن المعلوماتي، والتضليل، والذكاء الاصطناعي، واستقلالية القرار التحريري، واقتصاد المنصات، وحماية المعطيات، وحروب التأثير.
رداءة المنتوج الصحفي واقع حاصل، لكنها ليست قدراً. وتصحيحها لن يتم بإعادة توزيع المواقع بين الوجوه نفسها، ولا بإنتاج مجلس يقوم على الصفقات والتوازنات، ولا بإقصاء الأجيال والأشكال الإعلامية الجديدة. التصحيح يبدأ بالاعتراف بأن القطاع تغير، وأن الأدوات القديمة لم تعد كافية، وأن استقلال الصحافة لا يتحقق بالشعارات، بل بإبعادها عن شبكات الولاء والمصالح.
إذا كان فوزي لقجع يريد فعلاً أن يتحدث «بوضوح»، فإن الصحافة تمثل أحد أكثر الملفات حاجة إلى هذا الوضوح. لأن إصلاح الإعلام لم يعد مطلباً مهنياً يخص الصحافيين وحدهم، بل أصبح مسألة أمن معرفي وسيادة وطنية. وأي مجلس يولد أعرج اليوم، قد يترك المجتمع غداً بلا مناعة أمام حروب لا تُسمع فيها طلقات الرصاص، لأنها تستهدف العقول قبل الحدود.





















