نجيبة جلال/
يحمل البرنامج الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة بصمة واضحة لفوزي لقجع في هندسته الاقتصادية، وفي الأدوات التي يقترحها، وفي الطريقة التي يربط بها بين التمويل والاستثمار والعقار والتكوين والجهوية. ومع ذلك، غاب لقجع عن واجهة تقديم البرنامج وترك لغيره مهمة شرحه أمام الرأي العام.
هذا الغياب لا يمر من دون أن يثير السؤال: لماذا لم يتقدم فوزي لقجع لتقديم برنامج يبدو حاضراً في كثير من تفاصيله؟
البرنامج يتحدث بلغة قريبة من قاموس لقجع ومساره في تدبير المالية العمومية: ملاءمة التكوين مع حاجيات القطاعات المنتجة، وتعبئة العقار الاقتصادي، وتطوير المناطق الصناعية، وتوسيع أدوات التمويل والضمان والرأسمال الاستثماري، وربط الدعم العمومي بالنجاعة الطاقية وترشيد استعمال الماء، ثم تفعيل الجهوية الاقتصادية بواسطة عقود-برامج.
و هذه كلها. ليست مجرد إجراءات ، بل منظومة تقوم على ربط كل عنصر بالآخر. فلا تنمية للقطاعات المنتجة من دون تكوين يستجيب لحاجياتها، ولا استثمار من دون عقار مجهز، ولا نمو للمقاولات من دون تمويل وضمان ورأسمال استثماري، ولا جهوية اقتصادية من دون تعاقد يحدد المشاريع والتمويل
والتزامات مختلف الأطراف
.
بناء البرنامج يعكس خبرة لقجع في إدارة التوازنات بين الطموح السياسي والإمكانات المالية، وفي التعامل مع الدولة والقطاع الخاص والمؤسسات العمومية والجهات باعتبارها
أطرافاً تشارك في تنفيذ السياسة الاقتصادية.
بل حتى المفردات المستعملة داخل البرنامج تحيل إلى طريقة اشتغال تقنية أكثر منها خطاباً انتخابياً تقليدياً. البرنامج تحدث عن أدوات التمويل، والضمان، والعقود-البرامج، والدعم المشروط، وتعبئة العقار، يعني الانتقال من إعلان الأهداف إلى تحديد الآليات التي يمكن استخدامها للوصول إليها.
فمثلا في محور التمويل، لا يحصر البرنامج دور الدولة في الإنفاق العمومي المباشر، بل يتحدث عن الضمان والرأسمال الاستثماري، أي عن أدوات تسمح بتعبئة موارد أخرى وتقاسم
مخاطر الاستثمار.
وفي ملف الدعم العمومي، يقترح البرنامج ربط الاستفادة بالنجاعة الطاقية وترشيد استعمال الماء، بما يجعل التحفيز المالي مرتبطاً بأهداف اقتصادية وبيئية محددة.
أما في الجانب الترابي، فيعتمد البرنامج على عقود-برامج جهوية، وهي آلية تقوم على توزيع الالتزامات بين الدولة والجهات، وتحديد المشاريع والموارد والآجال.
إنها ملفات يعرفها لقجع، ويتوفر على اللغة التقنية الضرورية لشرحها. و هو الوحيد، و أؤكد الوحيد الذي كان بإمكانه أن يوضح للرأي العام كيف تتكامل هذه الأدوات، ومن سيتولى تنفيذها، وما الأدوار التي ستضطلع بها الدولة والجهات والأبناك وصندوق محمد السادس للاستثمار والقطاع الخاص.
كان يستطيع أيضاً أن يشرح الفرق بين التمويل المباشر من الميزانية وبين آليات الضمان وتعبئة الاستثمار الخاص، وأن يحدد كيف يمكن تحويل العقود-البرامج من اتفاقات عامة إلى مشاريع اقتصادية مرتبطة بخصوصيات كل جهة.
لكن الرجل الذي تظهر بصمته في البرنامج كله، لم يكن هو من
قدمه.
فماذا يخفي هذا الغياب؟
هل اختار لقجع البقاء بعيداً عن الواجهة الحزبية بسبب طبيعة موقعه ومسؤولياته داخل الدولة كما فعل في عدم ترشحه في بركان؟ أم أن الحزب هو من قرر توزيع الأدوار؟
وهل يتعلق الأمر برغبة في عدم اختزال البرنامج في شخص واحد، حتى وإن كانت بصمته الاقتصادية واضحة؟
هذه فقط الاحتمالات، فلا الحزب أوضح طبيعة مساهمة لقجع في إعداد البرنامج، ولا لقجع شرح موقعه من الوثيقة التي تحمل الكثير من ملامح مدرسته في التدبير.
المؤكد أن تقديم فوزي لقجع للبرنامج كان سيمنحه بعداً مختلفاً. ليس فقط بالنظر إلى موقعه، بل لأنه الشخص الوحيد القادر على تفكيك هندسته الاقتصادية.





















