نجيبة جلال
تابع الرأي العام مشاورات رئيسة الحكومة مع مختلف الأحزاب، لكن موقفين استأثرا بالنقاش وأثارا الكثير من المداد والضجيج: غياب عبد الإله بنكيران، وبلاغ التجمع الوطني للأحرار الذي أعلن فيه استعداده للمشاركة في الحكومة.
بنكيران، من صالونه، نجح في تحريك النقاش وكأنه أب العريس الذي يرفض الذهاب إلى خطبة ابنه، لكنه يريد أن تبقى كلمته حاضرة في كل تفاصيلها. حضر بغيابه، وجعل من عدم المشاركة في اللقاء موقفاً سياسياً يتحدث عنه الجميع. وتلك، مهما اختلفنا معه، قدرة على صناعة الحدث وإدارة الانتباه.
للحظة، بدا لي أنه الوحيد الذي لا يزال يمارس السياسة في هذا البلد. ثم أعدت قراءة بلاغ الأحرار، وقلت: ربما تسرعنا. فما زال داخل هذا الحزب من يعرف كيف يضع الكلمات في مكانها، وكيف يجعل بلاغاً مقتضباً يؤدي وظيفة سياسية تتجاوز ظاهره.
قوبل إعلان الأحرار الاستعداد لدخول الحكومة بكثير من السخرية والقهقهات. والحال أن الرغبة في المشاركة في الأغلبية ليست أمراً مفاجئاً؛ فالأحزاب تسعى إلى الحكم لتنفيذ برامجها والتأثير في القرار. لكن السؤال هنا ليس: لماذا يريد الأحرار دخول الحكومة؟ بل: ماذا يكسبون من إعلان استعدادهم، حتى لو انتهت المشاورات ببقائهم خارجها؟
هنا توجد السياسة.
البلاغ يضع الحزب في موقع من مدّ يده، وترك للطرف الآخر مسؤولية قبولها أو رفضها. ومعناه السياسي، كما أقرأه: نحن لا نعرقل تشكيل الحكومة، ولا نغلق باب التعاون مع الأصالة والمعاصرة، وقد أعلنّا استعدادنا لتحمل المسؤولية. أما ما سيحدث بعد ذلك، فليس قرارنا وحدنا.
بهذه الصيغة، يحمي الأحرار أنفسهم من عتاب الغد. فإذا لم يشاركوا، يستطيعون القول إنهم لم يرفضوا، وإن خروجهم إلى المعارضة لم يكن نتيجة انسحابهم من المشاورات أو إغلاقهم باب التحالف.
وفي المقابل، يصبح على «الجرار» أن يتحمل سياسياً تفسير اختياراته: لماذا اختار هؤلاء؟ ولماذا استبعد أولئك؟ وما الذي حال دون الاتفاق مع حزب أعلن أمام الجميع استعداده للمشاركة؟
لا يعني ذلك أن الأحرار لا يريدون فعلاً دخول الحكومة، ولا يثبت أنهم دبّروا مسبقاً سيناريو البقاء خارجها. لكنه يعني أن بلاغهم يخدمهم في الحالتين: إن دخلوا، فقد أعلنوا استعدادهم؛ وإن بقوا خارجها، فقد سجّلوا أنهم لم يغلقوا الباب.
أما التسريبات حول وجود تحفظات داخل أحد الحزبين على تقاسم الحقائب، أو تفضيل بعض القيادات لتركيبة أخرى، فيظل قراءة سياسية تحتاج إلى ما يؤكدها. غير أن المفاوض السياسي المتمرس لا ينتظر معرفة النتيجة حتى يحمي موقفه؛ بل يصوغ موقفاً يحتمل أكثر من نتيجة.
ومن الصعب افتراض أن حزباً يضم أسماء مثل رشيد الطالبي العلمي ومحمد أوجار ومحمد شوكي وعزيز أخنوش يغفل عن هذه الحسابات. قد نختلف مع الأحرار في تدبيرهم أو خطابهم، لكن الاستهانة بخبرتهم في التفاوض ليست قراءة موفقة.
بنكيران جعل غيابه يتكلم، والأحرار جعلوا استعدادهم المعلن يتكلم أيضاً. الأول رفع الصوت من خارج اللقاء، والثاني وضع جملة هادئة على الطاولة، وترك للآخرين حساب تبعاتها.
لذلك، قبل الضحك على البلاغ، يستحق الأمر قراءة ثانية. ففي السياسة، قد تكون عبارة «نحن مستعدون» باباً للمشاركة، وقد تكون أيضاً أفضل موقع للدفاع عن قرار البقاء خارج الحكومة.
حضي راسك يا الجرار…




















