في التشكيلة الحكومية التي عيّنها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، استوقفتني تسمية الوزارة المسندة إلى فوزي لقجع: الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية. وبين ما حملته الأسماء من إضافات، وما غاب عنها من قطاعات، أثارت كلمة «النجاعة» فضولي. ثم وجدتني أقرأها إلى جانب غياب «الاتصال» عن تسميات الحقائب المعلنة، وأسأل عن موقع الصحافة في هذه المعادلة الجديدة.
ليس في الاسم وحده ما يكفي للجزم بالاختصاصات؛ فتلك تحددها النصوص. لكن في اختيار الكلمات ما يستحق القراءة، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالمال العام، وبالمعيار الذي ستُقاس به ثمرة إنفاقه.
عدت إلى الحوار الذي أجريته مع لقجع في العدد الثاني من LEX MAG، تحت عنوان «من الدولة المموِّلة إلى الدولة الاستراتيجية». وبدا لي أن الرجل كان يعرض، في أجوبته، تصوراً يتجاوز تدبير الميزانية إلى مساءلة أثرها. تحدث عن الانتقال من ثقافة الأداء الميزانياتي إلى حكامة قائمة على الأداء، وعن وصل الموارد المعبأة بالنتائج الفعلية وانتظارات المواطنين.
ثم وضع السؤال في أوضح صوره: أي تحول اقتصادي واجتماعي مستدام تحصل عليه الدولة مقابل كل درهم تعبئه؟
ذلك سؤال يصلح لقراءة التسمية الجديدة. ويصلح، أيضاً، لمساءلة صاحبها. فالثقة الملكية التي يحملها التعيين ترفع سقف المسؤولية، وتجعل الانتظار مرتبطاً بالنتائج: ماذا سيتغير؟ ومن سيستفيد؟ وكيف نعرف أن الإنفاق حقق غايته؟
في الصحة، يظهر الجواب في العلاج المتاح وجودته. وفي التعليم، في التعلم وفرص النجاح. وفي الاستثمار، في الإنتاج والعمل. أما في الصحافة، فإن الحساب يزداد تعقيداً؛ لأن جزءاً من النتيجة لا يمر عبر صندوق المداخيل، بل عبر وعي المجتمع وقدرته على فهم ما يجري فيه وحوله.
وهذه هي القضية التي أضعها أمام فوزي لقجع.
المقاولة الصحفية مؤسسة اقتصادية مطالبة بحسابات سليمة، وأجور منتظمة، وتشغيل يحترم الحقوق، وتدبير يضمن الاستمرار. لكن وظيفتها تتجاوز بيع المحتوى. إنها تنتج معلومة يبني عليها المواطن رأياً، وقد يتخذ على أساسها قراراً. وتكشف خللاً يحتاج إلى إصلاح، وتتحقق من رواية قبل أن تتحول إلى يقين جماعي.
فهل يمكن قياس هذه الوظيفة برقم المعاملات وحده؟
قد تحقق مؤسسة مداخيل كبيرة بمحتوى يثير الغرائز ويستهلك الفضائح، فيما تنفق مؤسسة أخرى موارد محدودة على تحقيق أو تغطية لا تجد معلناً. وقد يجلب الولاء لبعض الأحزاب مصالح اقتصادية، دون أن يضيف إلى المعلومة جودة أو إلى القارئ معرفة. هذه احتمالات تستدعي قواعد شفافة وتحققاً من تضارب المصالح، حتى لا تصبح القدرة على الوصول إلى التمويل هي نفسها معيار الجدارة به.
التفاهة تستطيع أن تحقق رواجاً. والعلاقات تستطيع أن تفتح أبواباً. أما المهنية فتحتاج إلى وقت وكفاءات وموارد، وقد تتأخر عوائدها التجارية، فيما تظهر فائدتها العامة منذ اللحظة التي تمنع فيها خبراً زائفاً من الانتشار.
لذلك، أخشى أن نخطئ في معنى النجاعة إن جعلناها مكافأة لمن يملك أكثر، دون أن نسأل عما ينتج، وكيف ينتجه، ولمن يعود أثره.
وأخشى، في المقابل، أن تتحول خصوصية الصحافة إلى ذريعة تعفيها من المحاسبة. فلا رسالة مهنية تبرر التغول و الاضطهاد الاعلامي لمواطنين.
المطلوب ميزان دقيق يجمع سلامة المؤسسة وقيمة خدمتها، ويتيح للمشروع الجاد أن ينمو دون أن يحمي الاختلال باسم المهنة.
لكن للصحافة قيمة أخرى ينبغي أن تدخل هذا الميزان: دورها في الأمن القومي.
الأمن القومي يحتاج إلى مجتمع يفهم التحديات، ويميز الخبر من الشائعة، ويستطيع أن يثق بمصادر يعرف أنها تتحقق وتصحح. والصحافة المهنية تسهم في هذه القدرة حين تشرح خيارات الدولة، وتمتحن الحجج، وتكشف حملات التضليل،
وتضيء مواطن الضعف قبل أن تستغلها جهات أخرى.
في هذه الوظيفة قدر من المسؤولية لا يظهر في مؤشرات الرواج. فقد تتراجع مؤسسة عن نشر سبق بعدما يتبين أن توقيته يهدد سلامة أشخاص أو يضر بعملية أمنية. وقد تؤجل معلومة صوناً لمصلحة وطنية حساسة، أو تصحح خطأ وهي تعرف كلفته على صورتها. وقد تختار شرح قضية معقدة بدل عنوان مثير يضمن انتشاراً أسرع.
من يحسب كلفة هذا القرار؟ وأين تُسجل قيمته؟
إنها صحافة تستطيع أن تتراجع عن مكسب عاجل حين تتبين مصلحة وطنية أرجح. ويستند قرارها إلى تقدير مهني محدد للضرر، حتى تظل مصالح الوطن متميزة عن مصالح حزب أو مسؤول أو مقاولة.
الأكيد أن هذه القدرة على التقدير تحتاج إلى صحافيين مؤهلين ومؤسسات مستقرة. لأن الهشاشة الاقتصادية تضيق هامش الاستقلال، وتجعل قراراً مهنياً بسيطاً أكثر كلفة: هل تنشر المؤسسة ما تحققت منه إذا خشيت خسارة موردها؟ وهل تستطيع رفض الإثارة إذا كان بقاؤها معلقاً بعدد النقرات؟
هنا يصبح دعم الصحافة استثماراً في بناء القدرة المهنية. ويصبح السؤال عن نجاعته سؤالاً عن نوع القطاع الذي نريد:
مؤسسات تحترم العاملين، وتنتج محتوى أصلياً، وتغطي المجال الوطني، وتملك أدوات التحقق، وتستطيع مواجهة التضليل دون أن تنخرط فيه.
لقجع تحدث في حواره عن جودة الاستهداف، والتقييم المنتظم للفاعلية، وميزانية أكثر استراتيجية. فهل يمكن لهذه المبادئ أن تساعد على إصلاح تمويل قطاعنا؟ هل يصبح الدعم مرتبطاً بمعايير واضحة توازن بين الاستدامة الاقتصادية والمنفعة العامة، مع تقييم مستقل ونتائج منشورة وإمكانية للطعن؟
لا أفترض أن غياب «الاتصال» من أسماء الوزارات يجعل لقجع مسؤولاً تلقائياً عن تدبير دعم الصحافة. لكن موقعه المالي، وما أُضيف إليه من عنوان النجاعة، يجعلان مساءلته عن فلسفة هذا الإنفاق مشروعة. فالتنسيق مع الجهات المختصة ينبغي أن يبدأ بتحديد الغاية قبل تحديد المبلغ.
والغاية، كما أفهمها، أن يعود المال العمومي إلى المواطن في صورة معرفة أوثق ونقاش أجدى ومؤسسات أقدر على أداء وظيفتها. وأن تكون الاستفادة قائمة على استحقاق معلن، بعيداً عن النفوذ الحزبي والمقايضات الاقتصادية.
لقد وضع لقجع في LEX MAG مقياساً طموحاً: أثر كل درهم في التحول الذي تنشده الدولة. والصحافة تستحق أن تُقرأ في ضوء هذا المقياس بكل تعقيدها؛ مقاولةً عليها التزامات، ومهنةً لها أصول، وخدمةً يحتاجها المجتمع، وقدرةً وطنية يصعب تعويضها حين تضعف.
فهل تتسع النجاعة لهذا كله، أم سيبقى الحساب أسهل من فهم القيمة؟
في جواب هذا السؤال، سيتحدد إن كنا نموّل مؤسسات تبيع محتوى فحسب، أم نبني صحافة يعرف الوطن قيمتها حين يحتاج إليها.




















