على خلفية واقعة الوزيرة المعفاة والجدل الذي رافق تداول معطيات منسوبة إلى ماضيها القضائي، استحضر عدد من الصحافيين واليوتيوبرز مفهوم «الحق في النسيان». وقد سبق أن كتبت عن الإشكالية القانونية التي يطرحها هذا الموضوع، لأن استعمال المفاهيم الحقوقية في النقاش العمومي يقتضي توضيح مضمونها وحدودها، خصوصاً عندما تتقاطع حقوق الشخص المعني مع حقوق الضحايا ومتطلبات المسؤولية العامة.
ومن باب التوضيح، فإن السؤال الذي ينبغي أن يؤطر النقاش هو:
هل كشف هذا الماضي ضروري ومتناسب لحماية الناس وتقييم مسؤولية حاضرة، أم أنه مجرد إعادة عقاب اجتماعي على واقعة قديمة؟
هذا السؤال يمنع تحويل الحق في النسيان إلى حصانة من المساءلة، كما يمنع تحويل المساءلة إلى ملاحقة أبدية. وبين الأمرين توجد مساحة القانون: التثبت من الوقائع، وفحص المصلحة العامة، وتقدير الضرر، واختيار الإجراء المتناسب.
الأكيد أن الإنسان لا يُختزل في إدانة سابقة، لكن المسؤولية العامة تقتضي أيضاً تقييم النزاهة والأهلية والثقة. والعودة إلى الحياة والعمل بعد تنفيذ العقوبة مسألة تختلف عن تولّي منصب يمنح صاحبه سلطة على الناس أو أموالهم أو حقوقهم.
في التجربة الأوروبية، يساعد التمييز بين هذه المستويات على فهم ما يُسمّى الحق في النسيان. المادة 17 من اللائحة العامة لحماية البيانات في الاتحاد الأوروبي تقر حق المحو ضمن شروط، لكنها تستثني، من بين حالات أخرى، المعالجة الضرورية لممارسة حرية التعبير والإعلام. كما تفرض المادة 85 التوفيق بين حماية المعطيات الشخصية وحرية التعبير، بما يشمل العمل الصحافي. وبالتالي، لا يكفي أن تكون المعلومة محرجة أو قديمة حتى يصبح حذفها واجباً..
وقد شرحت محكمة عدل الاتحاد الأوروبي هذه المقاربة في حكمها الصادر في 24 سبتمبر 2019، في القضية C‑136/17. فعند تقييم طلب إزالة روابط تتعلق بإجراءات جنائية، تدخل في الموازنة طبيعة الجريمة وخطورتها، ومآل الإجراءات، والزمن المنقضي، ودور الشخص في الحياة العامة، وسلوكه السابق، والمصلحة الحالية للجمهور، ومضمون النشر وشكله وآثاره عليه.
بذلك، يصبح الزمن عنصراً من عناصر التقدير، وليس ممحاة قانونية. كما تصبح صفة الشخص عاملاً مهماً: فالمصلحة في معرفة ماضي مواطن ابتعد عن الشأن العام قد تختلف عن المصلحة في معرفة ماضي شخص يتقدم لتولّي مسؤولية كبرى. ومع ذلك، لا تمنح الصفة العامة ترخيصاً مفتوحاً لانتهاك الخصوصية أو نشر تفاصيل لا علاقة لها بتقييم المنصب.
قضية «هوربان ضد بلجيكا»، الصادر حكمها عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في 4 يوليو 2023، قبلت المحكمة إلزام صحيفة بإخفاء اسم سائق تسبب في حادث سير مميت، داخل مقال مؤرشف نُشر قبل نحو عشرين سنة. أخذت في الاعتبار مرور الزمن، ورد اعتبار المعني، وعدم شهرته، وغياب مصلحة راهنة كافية في استمرار إتاحة هويته بهذه الصورة. وكان الإجراء متعلقاً بإخفاء الاسم في الأرشيف الرقمي، لا بإنكار الحادث أو محوه من التاريخ.
لكن حكما يخص شخصاً غير معروف ومقالاً قديماً لا يمكن مقارنته بحكم على شخص سيتولى منصب وزير أو بإدانة صحفي سيواضب على الحضور الإعلامي و سيضهر بانتظام في الشاشات !
بل و تزداد حساسية الموازنة عندما يتعلق الأمر بالاعتداءات أو الاستغلال الجنسي، خصوصاً داخل علاقات العمل. فإذا ثبت أن مسؤولاً استعمل سلطته المهنية لاستغلال عاملات، فإن عودته إلى موقع يمنحه سلطة مماثلة تطرح سؤالاً يتجاوز سمعته الشخصية: ما الضمانات التي تحمي من سيعملن تحت إمرته؟
وهل جرى تقييم خطر تكرار السلوك؟ وكيف تُصان حقوق الضحايا؟
هذه أسئلة مشروعة في تقييم المسؤولية. لكنها لا تُغني عن القانون….
أما الضحية، فلا تختفي حقوقها بمجرد انتهاء عقوبة المعتدي. فالتوجيه الأوروبي 2012/29 يقر معاملة الضحايا باحترام وصون كرامتهم وحمايتهم من الترهيب والانتقام وتكرار الإيذاء. وحتى في مسارات العدالة التصالحية، يشترط الموافقة الحرة والمستنيرة للضحية، مع إمكان سحبها. فلا تُفرض المصالحة بوصفها واجباً يخدم إعادة إدماج الجاني.
وهنا أيضا يظهر الفرق بين المصطلحات، النسيان والغفران مفهومان مختلفان، الأول قد يكون موضوع طلب قانوني مضبوط؛ أما الثاني فقرار شخصي لا يملكه المجتمع نيابة عن المتضرر.
وعندما يتعلق الأمر بإدانة ثابتة بالنصب أو انتحال الصفة، فإن صلتها بالأمانة المطلوبة في مسؤولية عامة تستحق الفحص.
حق الإنسان في فرصة جديدة يستحق الحماية، وحقوق الضحايا تستحق الإنصاف، والمسؤولية العامة تستحق التدقيق. وتبدأ الموازنة العادلة حين لا يُستعمل أي واحد من هذه المبادئ لإلغاء الآخرين.




















