بين لقب «طبيب الفقراء» ومنطوق حكم قضائي، توجد مساحة لا يجوز اختزالها في حملة تضامن أو منشورات تتهم القضاء والنيابة العامة. فالخدمات الإنسانية التي يقدمها طبيب تستحق التقدير، لكنها لا تمنحه حصانة من المساءلة، كما أن إدانته لا تبيح تجريده من حقوقه أو إلغاء حقه في الدفاع والطعن.
سبق أن أُدين رشيد شرقاب من أجل العنف النفسي والسب في حق امرأة بسبب جنسها، وحُكم عليه بثلاثة أشهر حبساً موقوف التنفيذ وغرامة قدرها 500 درهم، مع تبرئته من تهم أخرى، بينها التحرش الجنسي.
يتعلق هذا الحكم بمسار سابق، منفصل عن ملف التشهير الحالي. واستحضاره لا يثبت سلامة المتابعة الراهنة، لكنه يساعد على استكمال صورة يجري اختزالها اليوم في رواية طبيب تستهدفه المؤسسات، بينما تختفي منها فصول سابقة أمام القضاء!
فالقصة لم تبدأ بالحكم الأخير. في الملف السابق، الذي تشير المعطيات المقدمة إلى تداوله أمام المحاكم سنة 2023، تحدثت المحامية عائشة الكلاع، بصفتها مؤازرة لممرضات مشتكيـات، عن شكايات حُفظت، وعن متابعة مشتكيـات وأشخاص شهدوا لصالحهن. وبحسب تصريحاتها، واجه نقابي ساند الممرضات بدوره متابعة قضائية وصدر حكم بإدانته.
لا تجعل هذه التصريحات رواية الممرضات حقيقة قضائية مكتملة، ولا تسمح بإدانة الطبيب خارج ما تقرره الأحكام. لكنها تستوجب الاستماع إلى أطراف غابت أصواتها عن جانب من النقاش، وتذكّر بأن شرقاب كان، في نزاعات سابقة، مشتكيـاً صدرت أحكام في مواجهة أطراف خاصمها. بل و سبق و اتهمته باستغلال علاقات نافذة.
فكيف يستقيم تقديم مساره القضائي باعتباره استهدافاً متصلاً، مع تجاهل أحكام سابقة صدرت لصالحه ضد أطراف خاصمها؟
السؤال موجّه إلى الخطاب الذي يصنع هذه الصورة….
من حق الدفاع أن يناقش الأدلة والإجراءات والتعليل والعقوبة، ومن حق الرأي العام أن يطالب بمحاكمة عادلة. لكن الانتقال من الاعتراض على حكم إلى الجزم بوجود استهداف يحتاج إلى وقائع محددة وأدلة قابلة للفحص. فلا الحكم السابق يمنح القضاء صك سلامة دائماً، ولا الحكم الحالي يكفي وحده لإثبات أنه أداة انتقام.
أما تفسير المتابعة بأنها انتقام من كشف الفساد، فلا ينبغي أن يتحول إلى جواب جاهز عن كل مساءلة قضائية. من يتبنى هذا التفسير مدعو إلى تحديد الوقائع التي جرى كشفها، والشكايات أو التبليغات المرتبطة بها إن وُجدت، والعناصر التي تسند الربط بينها وبين المتابعة. فالاشتباه يستحق البحث، لكنه لا يصبح حقيقة بمجرد تكراره.
وفي المقابل، للممرضات حق ألا تختفي أصواتهن خلف شهرة الطبيب. ولهن حق تقديم الشكايات وطلب المؤازرة، مثلما له حق الرد والدفاع. ولا يمنح لقب «طبيب الفقراء»، مهما كانت الخدمات التي يستند إليها، صاحبه مكانة أعلى من بقية المتقاضين.
ومن أخطر ما يرافق هذه الحملة تحويل عائشة الكلاع إلى هدف بسبب مؤازرتها للمشتكيات، وربط عملها المهني بحسابات سياسية. المحامية لا تصدر الأحكام، ودفاعها عن طرف لا يعني أنها تتحكم في القضاء. وإذا كانت هناك اعتراضات موثقة على أدائها، فلتُناقش بوقائعها، بعيداً عن نسبة النيات إليها أو تقديم مسارها السياسي دليلاً على اتهامات لا تسندها وثائق.
جوهر القضية ليس الاختيار بين الطبيب والممرضات، ولا بين الطبيب والمحامية. جوهرها رفض معيار تتغير فيه صورة العدالة بحسب المستفيد من الحكم، ورفض اختزال ملفات متعددة في سردية تمنح طرفاً البراءة المسبقة وتضع بقية الأطراف في قفص الاتهام.
لنترك القضاء يفصل في الملفات، ولنناقش أحكامه بالحجة. لشرقاب حقوق كاملة، وللمشتكيات حقوق كاملة أيضاً. فلا الألقاب تمنح البراءة، ولا حملات التضامن تلغي منطوق الأحكام، ولا الإدانة تسقط الحق في الدفاع.



















