حاتم البطيوي
من المضحك المبكي أن يتشبث إعلام دولة بنشر أخبار زائفة فقط من أجل إرضاء «الأماني» العالقة، حدَّ الإدمان، في الأذهان المشوشة والنفوس العليلة. ومن المحزن أيضاً أن تُسيَّس كرة القدم، وهي الرياضة التي تسعى إلى تحقيق السلام وفتح آفاق الحوار بين مختلف شعوب الأرض.
آخر نموذج من هذه الأخبار الرديئة، التي لا تقصد تحقيق أي مبتغى سوى الإساءة إلى بلد جار وتفريغ مشاعر الحقد والكراهية التي لا لزوم لها، هو الخبر الذي رددته في الآونة الأخيرة وسائل إعلام جزائرية بشأن فوزي لقجع، رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، وزعمت فيه أن السلطات الأميركية رفضت منحه تأشيرة الدخول إلى أراضيها لحضور مباريات المنتخب المغربي في كأس العالم، علماً أنه يشغل في الوقت ذاته منصب الوزير المنتدب المكلف بالميزانية في حكومة عزيز أخنوش، وعضوية مجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا).
والنكتة هنا أن لقجع حضر المباراة التي خاضها منتخب بلاده ضد نظيره البرازيلي، وتألق فيها «أسود الأطلس» وتعادلوا مع راقصي السامبا. وقد ظهر لقجع في الملعب جالساً بجانب عمدة نيويورك زهران ممداني،ورئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم، باتريس موتسيبي.
لقد شكّل لقجع، منذ ترؤسه الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، عقدة عصية للإعلام الجزائري، بعدما قاد كرة القدم في بلاده إلى تحقيق مجد كروي غير مسبوق، تُوِّج بوصول المنتخب المغربي إلى نصف نهائي مونديال قطر 2022، في إطار رؤية ملكية تروم جعل المنتخب المغربي نموذجاً ملهماً في عالم الكرة المستديرة.
لا أعرف السيد لقجع شخصياً، ولا تربطني به علاقة صداقة، وإن كان لدينا أصدقاء مشتركون، لكن متابعتي لمساره المتميز جعلتني أستشف سبب الحملات الإعلامية الجزائرية التي تطاله .
خلال السنوات الأخيرة، تحول لقجع إلى إحدى أكثر الشخصيات الرياضية المغربية استهدافاً من طرف جزء كبير من الإعلام الجزائري. وتزامن هذا الاستهداف مع صعود نجم كرة القدم المغربية قارياً ودولياً، وتزايد نفوذ المغرب داخل المؤسسات الرياضية الأفريقية والدولية. ومن ثم اختلطت الاعتبارات الرياضية بالتوترات السياسية القائمة بين المغرب والجزائر بسبب نزاع الصحراء ودعم الجزائر لجبهة البوليساريو الانفصالية.
وإذا كان الإعلام الجزائري قد قدّم لقجع، منذ عام 2021، باعتباره عرّاب النفوذ المغربي داخل دواليب الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (الكاف)، واتهمه، من دون تقديم أدلة موثقة، بالتأثير في قرارات الاتحاد وتوجيهها لصالح المغرب على حساب المنتخب الجزائري، فإن هذا الإعلام حلق بعيداً في سماء الاتهامات الموجهة إليه، حيث بلغت ذروتها عندما بثت قناة عمومية جزائرية، سنة 2024، تقريراً اتهمت فيه لقجع باستعمال برنامج «بيغاسوس» للتجسس على مسؤولي الكاف والتحكم في قراراتهم، جاعلة منه «جيمس بوند» كرة القدم.
لقد استطاع لقجع، منذ توليه رئاسة الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، وباعتباره صاحب رؤية تطويرية واضحة ومتجانسة مع توجيهات وفلسفة الملك محمد السادس في هذا المجال، تحقيق نقلة نوعية في مسار كرة القدم المغربية. اذ تمكن من ضمان استضافة المغرب لكأس الأمم الأفريقية2026 ، كما ساهم في فوز المملكة بشرف تنظيم كأس العالم 2030 بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال، فضلاً عن ترسيخ حضور المغرب داخل هياكل «الكاف» و«الفيفا»، وتحقيق طفرة كبيرة في تطوير البنية التحتية الرياضية، وإنشاء أكاديميات للتكوين.
ومع كل نجاح مغربي جديد، يتزايد استهداف لقجع «مهندس النهضة الكروية المغربية». غير أن الرجل حرص دائماً على عدم الوقوع في فخ الجدل العقيم، موضحاً في مناسبات عدة، وبخطاب هادئ ومتزن، أن الحضور المغربي داخل المؤسسات القارية والدولية يعود أساساً إلى التاريخ الكروي العريق للمملكة وإلى استثماراتها الكبيرة في البنية التحتية والتكوين الرياضي.
يعرف لقجع كيف يمضي قدماً نحو الأهداف التي تروم جعل كرة القدم المغربية قوة ناعمة ملهمة للشباب في المغرب والعالم ، ومجسدة لـ«أمل أفريقيا والعرب» في المجال الرياضي.ويعرف أيضا أن ما يصيبه من نيران عدوة وصديقة ليس سوى ضريبة للنجاح والتألق والإنجاز .
قد تختلف الآراء حول لقجع وأسلوبه في التدبير، لكن الأرقام والإنجازات تظل أبلغ من كل الاتهامات والحملات الإعلامية. فالمغرب اليوم بات رقماً صعباً في كرة القدم الأفريقية والعالمية . لذلك، ليس مستغرباً أن يجلب النجاح الكبير قدرا مماثلا من النقد والاستهداف .غير أن ما يبقى في ذاكرة الشعوب ليس الضجيج العابر ، بل النتائج الملموسة والإنجازات التي تصنع الفارق وتترك أثرها في التاريخ.





















