متابعة
تتواصل في جنوب إفريقيا حالة الجدل بشأن إعادة تسمية المدن والمعالم الجغرافية، في ظل مساعٍ رسمية لإزالة إرث الحقبتين الاستعمارية والعنصرية، مقابل مخاوف من انعكاسات هذه الخطوة على الهوية الوطنية والقطاع السياحي، وذلك مع اقتراب الانتخابات المحلية المرتقبة في 4 نونبر المقبل.
ومنذ اعتماد قانون المجلس الجنوب إفريقي للأسماء الجغرافية سنة 1998، باشرت السلطات مراجعة أسماء العديد من المواقع، حيث جرى تغيير أكثر من 1500 اسم جغرافي بهدف إعادة الاعتبار للغات والثقافات الإفريقية التي تعرضت للتهميش خلال عقود الفصل العنصري.
وعاد النقاش إلى الواجهة بعد طرح مقترح لإعادة تسمية منتزه كروغر الوطني، أحد أبرز الوجهات السياحية في البلاد، إذ يرى مؤيدو الخطوة أن الاسم الحالي يرتبط بالرئيس السابق بول كروغر، الذي يعتبره كثيرون رمزا لحقبة التمييز العنصري، بينما يعده آخرون، خاصة من الأفريكانيين، شخصية تاريخية قاومت الاستعمار البريطاني.
وأثار المقترح انقساما سياسيا، إذ اعتبره حزب “المناضلون من أجل الحرية الاقتصادية” خطوة نحو إنصاف الذاكرة الوطنية، في حين رفضته منظمة “أفريفوروم”، معتبرة أن تغيير الاسم يطمس جزءا من تاريخ البلاد، ومعلنة استعدادها للطعن في أي قرار بهذا الشأن أمام القضاء.
وتخضع عمليات إعادة التسمية في جنوب إفريقيا لمساطر قانونية دقيقة، تبدأ بتقديم المقترحات إلى المجلس الجهوي للأسماء الجغرافية، ثم تمر عبر مشاورات عمومية قبل رفعها إلى المجلس الوطني، ليحال الملف في النهاية إلى وزير الرياضة والفنون والثقافة لاتخاذ القرار النهائي.
وفي المقابل، يحذر خبراء ومهنيون في قطاع السياحة من أن تغيير أسماء معالم معروفة عالميا، مثل منتزه كروغر، قد يؤثر على صورتها الدولية وقيمتها التسويقية، خاصة أن السياحة تمثل نحو 9 في المائة من الناتج الاقتصادي للبلاد.
ويرى باحثون أن اسم “كروغر” تحول مع مرور الزمن إلى علامة سياحية عالمية تتجاوز دلالته التاريخية، فيما يقترح آخرون الحفاظ على الأسماء المعروفة مع تعزيز حضور التاريخ والثقافات الإفريقية عبر المتاحف والبرامج التعليمية والفضاءات الثقافية.
وتؤكد الحكومة أن هدف إعادة التسمية ليس محو التاريخ، بل تحقيق تمثيل أكثر عدالة لمختلف مكونات المجتمع الجنوب إفريقي، مشيرة إلى أن جميع القرارات تخضع لمشاورات موسعة قبل اعتمادها.
وشهدت السنوات الماضية تغيير أسماء عدد من المدن والمعالم، من بينها مطار جوهانسبورغ الذي أصبح يحمل اسم أوليفر طامبو، ومدينة غراهامزتاون التي أعيدت تسميتها إلى “ماكاندا”، بينما احتفظت مدن أخرى مثل بريتوريا وديربان بأسمائها، مع إدراجها ضمن بلديات تحمل تسميات جديدة.
ويعكس هذا النقاش، بحسب مراقبين، استمرار التحديات المرتبطة ببناء هوية وطنية جامعة في جنوب إفريقيا، حيث لا تزال قضايا الذاكرة والرموز التاريخية تمثل أحد أبرز ملفات النقاش السياسي والاجتماعي في مرحلة ما بعد نظام الفصل العنصري.




















