باحدة عبد الرزاق
أشعلت التصريحات الأخيرة للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، المتعلقة بتونس، موجة من الجدل في الساحة السياسية التونسية، بعدما اعتبر عدد من السياسيين والفاعلين الحزبيين أن مضمونها يتجاوز إطار التضامن الأمني بين البلدين، ليطرح تساؤلات بشأن احترام مبدأ السيادة الوطنية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
وجاءت هذه المواقف عقب تصريحات أدلى بها تبون خلال لقائه الدوري مع وسائل الإعلام الجزائرية، أكد فيها أن هناك أطرافا تسعى إلى زعزعة استقرار تونس بسبب الجزائر وعزلها عنها، مشددا على أن بلاده “لن تسمح بذلك”، ومعتبرا أن “من يمس تونس يمسنا”. كما أثارت عبارته باللهجة العامية، التي توعد فيها كل من يسعى إلى إدخال الإرهاب إلى تونس، نقاشا واسعا في الأوساط التونسية بسبب طبيعة الخطاب المستخدم ودلالاته السياسية.
وفي هذا السياق، وصف المتحدث باسم حركة “حق” تصريحات الرئيس الجزائري بأنها “تدخل غير مقبول في الشأن الداخلي التونسي”، معتبرا أن حماية البلاد مسؤولية سيادية تضطلع بها المؤسسات التونسية، وفي مقدمتها الجيش الوطني والأجهزة الأمنية، وأن أي تعاون عسكري أو أمني مع دولة أخرى يجب أن يتم وفق طلب رسمي من السلطات التونسية وفي إطار الاتفاقيات الثنائية، وليس من خلال تصريحات إعلامية قد تفهم على أنها تعكس دورا يتجاوز منطق التعاون بين الدول.
من جهته، اعتبر عضو المكتب التنفيذي لحزب الائتلاف الوطني التونسي أن تصريحات تبون أوحت وكأن الجزائر تضطلع بدور “الوصي” على تونس، مؤكدا أن مثل هذا الخطاب يثير إشكاليات مرتبطة باحترام السيادة الوطنية. وأضاف أن المؤسستين الأمنية والعسكرية في تونس تمكنتا خلال السنوات الأخيرة من تحقيق نتائج مهمة في مكافحة الإرهاب، مشيرا إلى أن البلاد لم تشهد منذ مدة تهديدات إرهابية كبرى تستدعي مثل هذه التصريحات.
ورأى المسؤول الحزبي أن صدور هذه المواقف عن رئيس دولة وبلهجة حادة قد ينعكس على صورة تونس في الخارج، لاسيما في ما يتعلق بثقة المستثمرين والقطاع السياحي، الذي يمثل أحد أعمدة الاقتصاد الوطني، داعياً السلطات التونسية إلى استدعاء السفير الجزائري وتوجيه احتجاج رسمي يؤكد تمسك تونس بسيادتها ورفضها لأي خطاب يمكن أن يفسر على أنه تدخل في شؤونها الداخلية.
وأكد أن الدفاع عن سيادة الدولة يجب أن يظل مبدأ ثابتا في السياسة الخارجية التونسية، بغض النظر عن طبيعة العلاقات الثنائية أو هوية الدولة التي تصدر عنها التصريحات، معتبرا أن احترام السيادة يشكل أحد أسس العلاقات المتوازنة بين الدول.
وفي المقابل، يقدم الرئيس الجزائري تصريحاته في إطار رؤية تعتبر أن أمن تونس جزء لا يتجزأ من الأمن القومي الجزائري، وأن التعاون الأمني بين البلدين يظل ضرورة لمواجهة التهديدات المشتركة، في ظل الروابط الجغرافية والتحديات الأمنية التي يعرفها الإقليم.
غير أن ردود الفعل التي أثارتها هذه التصريحات داخل تونس تعكس حساسية كبيرة تجاه كل ما قد يفهم على أنه مساس باستقلال القرار الوطني، وهو ما أعاد إلى الواجهة النقاش حول حدود التعاون الأمني بين الدول المغاربية، والفارق بين التنسيق في مواجهة المخاطر المشتركة واحترام السيادة الكاملة لكل دولة في إدارة شؤونها الداخلية.
وتكشف هذه السجالات، في المحصلة، عن تباين واضح في قراءة مفهوم الأمن المشترك داخل الفضاء المغاربي، بين من يراه إطارا للتعاون والتنسيق، ومن يخشى أن يتحول إلى مبرر لتوسيع النفوذ السياسي أو الأمني خارج الحدود، في منطقة لا تزال تبحث عن صيغة متوازنة تجمع بين حسن الجوار واحترام سيادة الدول.




















