في الذكرى الثالثة للسابع من أكتوبر، يعود السؤال الذي بقي معلقاً منذ الساعات الأولى: كيف استطاع هجوم بهذا الحجم أن يخترق حدوداً تحرسها واحدة من أكثر المنظومات الأمنية تطوراً، وأن يترك سكاناً يواجهون مصيرهم قبل أن تصل إليهم الحماية؟
ثلاث سنوات تمنح التحقيقات وقتاً للكشف، لكنها لا تمنح الناجين بالضرورة قدرة على النسيان. وبين الزمن الذي تقيسه الدول بالقرارات والتقارير، والزمن الذي تقيسه العائلات بالغياب والخوف، تتسع المسافة. هناك بيت أعيد بناؤه، لكن صاحبه لم يستطع العودة إليه؛ ومدرسة فتحت أبوابها، فيما بقيت الطمأنينة خارجها؛ وأسرة استعادت بعض تفاصيل حياتها، دون أن تستعيد الحياة التي كانت تعرفها.
في السابع من أكتوبر 2023، قادت كتائب القسام، الجناح العسكري لحماس، هجوماً شاركت فيه فصائل مسلحة أخرى على جنوب إسرائيل. واستُهدفت قواعد عسكرية وبلدات سكنية ومهرجان «نوفا» الموسيقي. وأسفر الهجوم عن مقتل نحو 1200 شخص، معظمهم مدنيون، واقتياد 251 شخصاً إلى غزة. ومنذ ذلك اليوم، صار البحث عن الحقيقة جزءاً من حق الضحايا، وصارت مساءلة المسؤولين عن انهيار الحماية محرجا لمؤسسات الدولة.
لقد وثقت منظمة «هيومن رايتس ووتش» قتل مدنيين واحتجاز رهائن، ووصفت هذه الأفعال بأنها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. كما تناولت لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة وقائع الهجوم والمشاركين فيه. وفي ملف العنف الجنسي، خلصت بعثة الأمم المتحدة بقيادة “براميلا باتن” إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بوقوع أعمال عنف جنسي، بينها الاغتصاب، في عدة مواقع، وأفادت بجمع معلومات واضحة ومقنعة عن تعرض بعض الرهائن لمثل هذه الاعتداءات، مع المطالبة بتحقيقات إضافية.
تضع هذه الخلاصات مسؤولية منفذي الهجوم في موضعها. وتفرض، في الوقت نفسه، دقة في رواية المأساة: ما ثبت يُقال بوضوح، وما يحتاج إلى تحقيق يبقى سؤالاً مفتوحاً. فالعدالة تحتاج إلى حقيقة موثقة تستطيع الصمود أمام الفحص والمساءلة.
ثم جاءت التحقيقات الإسرائيلية لتكشف جانباً آخر. أقرت التحقيقات العسكرية المعروضة في فبراير 2025 بفشل الجيش في حماية المدنيين، وبالتقليل من تقدير قدرات حماس، وبالاعتماد المفرط على الاستخبارات والحواجز والمنظومات الدفاعية. وفي بئيري، اعترف الجيش بأنه لم يؤد مهمة حماية السكان، بينما أبرز التحقيق دور الأهالي وفريق الدفاع المدني المحلي في الساعات الأولى.
أما جهاز «الشاباك»، فقد أقر في خلاصاته المنشورة في مارس 2025 بإخفاقه في توفير الإنذار الضروري. وتحدث عن سوء استثمار خطط اقتحام كانت معروفة، وعن غموض في توزيع المسؤوليات بين الأجهزة، وعن إشارات وردت ليلة السادس إلى السابع من أكتوبر ولم تؤد إلى إجراءات لحماية المواطنين.
كشفت مختلف التحقيقات أن التحذيرات كانت موجودة، لكنها لم تتحول إلى إجراءات تتناسب مع حجم الخطر. فقد أدى التقليل من قدرات حماس والاعتماد المفرط على الحواجز والمنظومات الدفاعية إلى تقدير خاطئ للموقف، فيما بقيت إشارات ليلة الهجوم دون استجابة مؤثرة. وهكذا وقع الاختراق، وفشلت أجهزة الأمن والجيش في حماية السكان.
و لكن المؤلم هي أن آثار الدمار تحمل معاني مختلفة: من يريد إبقاءها شاهداً على ما حدث، ومن يحتاج إلى إزالتها كي يستطيع الاستمرار. وبين الذاكرة والحياة، يحتاج الناجون إلى مساحة للاختيار، وإلى رعاية لا تنتهي بانتهاء مراسم الذكرى. فالصدمة لا تخضع لجدول الإعمار، والطمأنينة لا تُسلَّم مع مفاتيح البيت.
وفي غزة، يمتد الوجه الآخر لهذه السنوات. فقد أعقبت الهجوم حرب ألحقت بالمدنيين الفلسطينيين دماراً واسعاً، ونزوحاً متكرراً، وحرماناً من مقومات الحياة. وتصف المعطيات الأممية وضعاً صحياً حرجاً، ونقصاً في الأدوية، وصعوبات في الحصول على المياه الصالحة للشرب. وتصبح المأساة أشد حين يُختزل الإنسان في موقعه من الصراع، فتغيب حياته خلف اللغة العسكرية والحسابات السياسية.
إن الاعتراف بضحايا السابع من أكتوبر يقتضي الوضوح في إدانة الجرائم التي تعرضوا لها. والاعتراف بمعاناة المدنيين في غزة يقتضي الوضوح نفسه في مساءلة الأفعال التي ألحقت بهم الضرر. المسؤولية تُنسب إلى من ارتكب الفعل، وحماية المدنيين واجب على جميع الأطراف، مهما بلغت قسوة الحرب.
في الذكرى الثالثة، يحتاج الناجون إلى ما يتجاوز استعادة صور ذلك اليوم. يحتاجون إلى حقيقة تفسر، وعدالة تسائل، وحماية تمنع التكرار. ويحتاج أهل غزة إلى أن يصبح حقهم في الحياة والأمان واقعاً يُصان.
ذلك هو الامتحان الذي تركه السابع من أكتوبر مفتوحاً: هل تستطيع المؤسسات أن تواجه أخطاءها، وأن تصل التحقيقات إلى المسؤولين، وأن تستعيد حماية الإنسان مكانها في القرار؟ ستظل الذكرى تعود، أما الإجابة فتنتظر أفعالاً يستطيع الضحايا أن يثقوا بها.




















