أثارت الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب مسألة مدى انعكاس الاختيارات المالية للدولة على تحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية بين النساء والرجال، وذلك في إطار قراءتها لمشروع قانون المالية لسنة 2027، الذي تبلغ فيه تحملات الدولة حوالي 825.6 مليار درهم، فيما يصل حجم الاستثمار العمومي إلى 400 مليار درهم.
واعتبرت الجمعية أن هذه الأرقام، رغم حجم الموارد المالية التي تعتزم الدولة تعبئتها، تطرح تساؤلات بشأن مدى توجيه الاستثمارات العمومية لخدمة أولويات المساواة والعدالة المجالية والاجتماعية، وضمان استفادة النساء والفتيات من الثروة الوطنية والموارد العمومية.
وأوضحت الجمعية أن مشروع قانون المالية لسنة 2027 يشكل أول اختبار مالي لتنزيل التوجهات المعلنة في البرنامج الحكومي للفترة 2026-2031، مشددة على ضرورة ترجمة الالتزامات المرتبطة بالحقوق والمساواة إلى سياسات عمومية ممولة، تتضمن أهدافا واضحة ومؤشرات قابلة للقياس والتقييم.
وفي ما يتعلق بسوق الشغل، سجلت الجمعية استمرار ضعف المشاركة الاقتصادية للنساء، مشيرة إلى أن معدل نشاطهن لا يتجاوز 19.1 في المائة، مقابل هدف معلن في مشروع قانون المالية يبلغ 21.1 في المائة، وهو ما اعتبرته طموحا محدودا مقارنة بأهداف النموذج التنموي الجديد، الذي يسعى إلى رفع هذه النسبة إلى 30 في المائة بحلول 2026، ثم 45 في المائة في أفق 2035.
كما توقفت الجمعية عند الاعتمادات المالية المخصصة لقطاعي الصحة والحماية الاجتماعية، والتعليم والتكوين، والتي تبلغ على التوالي 45.4 مليار درهم و121.3 مليار درهم، مؤكدة أن ارتفاع الميزانيات القطاعية لا يعني بالضرورة تحسن أوضاع النساء والفتيات، ما لم يرتبط بتحديد الفئات المستفيدة والمناطق المستهدفة، وقياس جودة الخدمات والنتائج المحققة.
وفي السياق ذاته، شددت الجمعية على أن إصلاح مدونة الأسرة لا ينبغي أن يقتصر على مراجعة النصوص القانونية، بل يتطلب تعبئة موارد مالية وبشرية ومؤسساتية لضمان تنزيل الإصلاحات، وربطها بإجراءات تعزز الاستقلالية الاقتصادية للنساء، وتحميهن من التمييز والعنف، وتدعم تقاسم المسؤوليات الأسرية.
وسجلت الهيئة ذاتها أن فوائد وعمولات الدين العمومي تصل إلى 45.9 مليار درهم، فيما تبلغ خدمة الدين، بما يشمل تسديد أصل الدين متوسط وطويل الأمد، حوالي 115.3 مليار درهم، داعية إلى تقييم سياسة المديونية من منظور اجتماعي يراعي انعكاساتها على الإنفاق الموجه للحقوق والخدمات الأساسية، خاصة تلك المرتبطة بالنساء والفتيات.
كما طالبت بإخضاع الإعفاءات والتحفيزات الضريبية لتقييم منتظم من منظور النوع الاجتماعي، بهدف تحديد المستفيدين الفعليين منها، وقياس مساهمتها في خلق فرص الشغل اللائق للنساء وتحسين أوضاعهن الاقتصادية والاجتماعية.
وقدمت الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب مجموعة من المقترحات لتعديل التوجهات المالية، من بينها تخصيص ثلث الاعتمادات المرصودة للتشغيل والتكوين لفائدة النساء، وتوجيه 30 في المائة من ميزانية صندوق دعم المقاولة نحو المقاولات النسائية الصغيرة والمتوسطة، إلى جانب تخصيص 4 مليارات درهم إضافية لتعميم الحماية الاجتماعية لفائدة النساء العاملات في القطاعات غير المهيكلة والفلاحية والنسيج والخدمات المنزلية.
ودعت أيضا إلى إحداث سطر ميزانياتي خاص باقتصاد الرعاية، وتطوير خدمات رعاية الطفولة المبكرة من خلال إحداث ألف حضانة، و500 دار للمسنين والمسنات، فضلا عن اعتماد حساب وطني سنوي يرصد مساهمة اقتصاد الرعاية في الناتج الداخلي الخام.
وفي المجال الصحي، اقترحت الجمعية رفع نسبة النساء المستفيدات من خدمات الصحة الجنسية والإنجابية وصحة الأمهات إلى 80 في المائة، مع تقليص الفوارق في الولوج إلى العلاج بين المدن والقرى والمناطق الجبلية.
أما في قطاع التعليم، فطالبت بتخصيص 15 في المائة من ميزانية وزارة التربية الوطنية لمراجعة المناهج والبرامج وتنقية الكتب المدرسية من الصور النمطية، إلى جانب خفض الهدر المدرسي بنسبة 15 في المائة، وتوسيع خدمات النقل والإيواء والمطاعم المدرسية والتعليم الأولي، بهدف بلوغ نسبة 60 في المائة.
وشملت المطالب أيضا تعزيز آليات حماية النساء ضحايا العنف والتمييز، وتطوير خدمات المواكبة النفسية والاجتماعية، وإحداث الهيئة العليا للمناصفة ومناهضة جميع أشكال التمييز، إلى جانب تفعيل صندوق خاص بالمناصفة ومنح الهيئة صلاحيات شبه قضائية.
وأكدت الجمعية، في ختام ملاحظاتها، ضرورة إدماج مؤشرات المساواة في ميزانيات المؤسسات والمقاولات العمومية والحسابات الخصوصية للخزينة، وتعزيز الشفافية في توزيع الموارد العمومية، مع إخضاع الاعتمادات المالية لآليات منتظمة للمراقبة والتتبع والتقييم، بما يسمح بقياس أثر السياسات المالية على الحياة اليومية للنساء والفتيات.



















