تخلد الأسرة الملكية الشريفة والشعب المغربي، بكل مظاهر الاعتزاز والوفاء، الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش المجيد، وهي مناسبة وطنية لاستحضار المحطات البارزة في المسيرة الحافلة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، منذ نشأته وتكوينه العلمي والعملي، وصولا إلى اعتلائه عرش أسلافه المنعمين، حاملا رؤية متبصرة لمواصلة بناء الدولة المغربية وتعزيز مسارها التنموي والإصلاحي.
ولد صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، يوم الأربعاء 21 غشت 1963، الموافق لفاتح ربيع الثاني 1383 هـ، بمدينة الرباط، في كنف الأسرة الملكية العلوية الشريفة. ومنذ سنواته الأولى، أولاه والده المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني، طيب الله ثراه، عناية خاصة، قوامها الجمع بين التربية الإسلامية الأصيلة، والتكوين العلمي الحديث، وغرس قيم الوطنية والانضباط وتحمل المسؤولية.
وفي سن الرابعة، التحق جلالته بالمدرسة القرآنية بالقصر الملكي، حيث تلقى تعليمه الأول في حفظ القرآن الكريم والعلوم الشرعية، قبل أن يواصل مساره الدراسي في مختلف الأسلاك التعليمية، في إطار تكوين متوازن جمع بين العلوم القانونية والسياسية واللغات، وأسهم في صقل شخصيته وإعداده لتحمل مسؤوليات المستقبل.
وفي يونيو 1973، حصل جلالته على شهادة الدروس الابتدائية، قبل أن ينال شهادة البكالوريا سنة 1981، ثم الإجازة في القانون من كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بجامعة محمد الخامس بالرباط سنة 1985، مقدما بحثا تناول موضوع “الاتحاد العربي الإفريقي واستراتيجية المملكة المغربية في العلاقات الدولية”، بما يعكس اهتماما مبكرا بالقضايا الجيوسياسية والدبلوماسية التي تشكل أحد ثوابت السياسة الخارجية للمملكة.
وواصل جلالته مسيرته الأكاديمية بنجاح، فنال سنة 1987 الشهادة الأولى للدراسات العليا في العلوم السياسية، ثم دبلوم الد
راسات العليا في القانون العام سنة 1988. كما خضع لتدريب عملي بالمفوضية الأوروبية ببروكسيل لدى رئيسها آنذاك جاك ديلور، وهي تجربة مكنته من الاطلاع عن قرب على آليات اشتغال المؤسسات الأوروبية وتعزيز معارفه في مجال العلاقات الدولية.
وتوج هذا المسار العلمي بحصول جلالته، في 29 أكتوبر 1993، على شهادة الدكتوراه في القانون من جامعة نيس صوفيا أنتيبوليس بفرنسا، بميزة “مشرف جدا”، عن أطروحة بعنوان “التعاون بين المجموعة الاقتصادية الأوروبية والمغرب العربي”، والتي عكست اهتماما علميا بالعلاقات الأورومتوسطية وآفاق التعاون الإقليمي.
وبموازاة تكوينه الأكاديمي، انخرط جلالة الملك، منذ سن مبكرة، في تحمل مسؤوليات رسمية داخل المملكة وخارجها، حيث كلفه المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني بمهام تمثيلية ودبلوماسية وإدارية وعسكرية، شكلت مدرسة عملية في تدبير الشأن العام واكتساب الخبرة الميدانية.
ففي دجنبر 1979، عين جلالته رئيسا شرفيا للجمعية الاجتماعية والثقافية لحوض البحر الأبيض المتوسط، كما تولى سنة 1982 رئاسة لجنة تنظيم الألعاب المتوسطية، قبل أن يعهد إليه، في أبريل 1985، بمهمة تنسيق مكاتب أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية، في خطوة جسدت الثقة التي حظي بها من لدن والده، وأتاحت له الاطلاع عن قرب على تدبير المؤسسة العسكرية.
كما مثل جلالة الملك، وليا للعهد آنذاك، المملكة المغربية في العديد من القمم العربية والإفريقية والإسلامية واللقاءات الدولية، وقام بزيارات رسمية إلى عدد من الدول موفدا من طرف المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني، ما مكنه من اكتساب تجربة دبلوماسية مبكرة والإلمام بمختلف القضايا الإقليمية والدولية.
وتعد مشاركته، في أبريل 1974، ممثلا للمغفور له جلالة الملك الحسن الثاني في مراسم تأبين الرئيس الفرنسي الراحل جورج بومبيدو بباريس، من أولى المهام الرسمية التي اضطلع بها خارج أرض الوطن، لتتوالى بعد ذلك مشاركاته في العديد من المحافل الدولية، بما عزز حضوره على الساحة الدبلوماسية قبل اعتلائه العرش.
وفي يوليوز 1994، رقي جلالته إلى رتبة جنرال، كما تولى رئاسة عدد من الجمعيات والهيئات الوطنية ذات الطابع الرياضي والاجتماعي، في تجسيد لاهتمامه بالشباب والعمل الجمعوي.
وشكل يوم 23 يوليوز 1999 محطة مفصلية في تاريخ المملكة بوفاة المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني، طيب الله ثراه. وفي إطار الاستمرارية الدستورية والمؤسساتية التي تميز النظام الملكي المغربي، آلت ولاية العرش إلى صاحب السمو الملكي سيدي محمد، الذي أصبح صاحب الجلالة الملك محمد السادس، قبل أن تحتضن العاصمة الرباط، يوم 30 يوليوز 1999، مراسم تقديم البيعة، في مشهد وطني جسد عمق الارتباط التاريخي بين العرش والشعب، واستمرارية الدولة المغربية ومؤسساتها.
وهكذا، توجت سنوات من التكوين العلمي الرصين، والتأهيل المؤسسي، والخبرة الدبلوماسية والميدانية، باعتلاء صاحب الجلالة الملك محمد السادس عرش أسلافه المنعمين، إيذانا بانطلاق عهد جديد، مستندا إلى رصيد متين من الإعداد والمعرفة، ومؤسسا لمسيرة ستطبع تاريخ المغرب الحديث بالإصلاح والتحديث والتنمية.
























