دخل قانون المسطرة المدنية الجديد رقم 58.25، اليوم الاثنين، حيز التنفيذ، منهيا العمل بمقتضيات القانون السابق الذي ظل يؤطر مساطر التقاضي بالمغرب لأكثر من نصف قرن، في خطوة تشريعية ترمي إلى إعادة تنظيم إجراءات التقاضي وتبسيطها، ومواكبة التحولات الرقمية التي تعرفها منظومة العدالة، فضلاً عن تعزيز فعالية تنفيذ الأحكام والحد من الممارسات التي تؤدي إلى إطالة أمد النزاعات.
ويحمل القانون الجديد مجموعة من المستجدات التي تمس مختلف مراحل الدعوى القضائية، بدءاً من تسجيل القضايا ورفع الدعاوى، مروراً بالتبليغ وممارسة الطعون، ووصولاً إلى تنفيذ الأحكام.
ويبرز من بين أبرز هذه المستجدات اعتماد العنوان المضمن في البطاقة الوطنية للتعريف كمرجع رسمي للتبليغ، وفق مقتضيات المادة 610، بما يهدف إلى الحد من الإشكالات المرتبطة بصعوبة العثور على الأطراف أو تعذر تبليغهم بالعناوين المصرح بها.
وفي السياق ذاته، عزز النص الجديد التوجه نحو التبليغ الإلكتروني، ومنح الحجية القانونية للمراسلات الموجهة إلى الحسابات المهنية للمحامين، مع اعتماد العنوان الوارد في البطاقة الوطنية للتعريف الإلكترونية عند تعذر التبليغ في العنوان المصرح به. كما ألزم أشخاص القانون العام بالإدلاء بعناوينهم الإلكترونية، بينما منح الأشخاص الذاتيين والمعنويين من القطاع الخاص إمكانية اختيار هذا النمط من التبليغ.
ويكرس القانون الجديد، كذلك، حضور الرقمنة في مختلف مراحل المسطرة القضائية، من خلال إتاحة إمكانية إيداع المقالات والمذكرات والطعون عبر منصات إلكترونية موحدة وآمنة، إلى جانب اعتماد التوقيع الإلكتروني والتبادل اللامادي للوثائق، بما يفترض أن يسهم في تسريع الإجراءات وتقليص الاعتماد على الوثائق الورقية وتحسين الولوج إلى خدمات العدالة.
وعلى مستوى تدبير القضايا، نص القانون على تسجيل الملفات في سجل معد لهذا الغرض وفق ترتيب تسلسلي لجهة الإيداع، مع تضمين اسم كل طرف واسم محاميه عند الاقتضاء، إلى جانب موضوع الدعوى وتاريخ الاستدعاء، بما يعزز تنظيم المساطر وإمكانية تتبع الملفات بشكل أكثر دقة ووضوحاً.
وفي مواجهة ما يعتبره المشرع تقاضياً تعسفياً، أقر القانون إمكانية الحكم بالتعويض عن التقاضي بسوء نية، فضلاً عن فرض غرامات مالية في بعض الحالات التي يثبت فيها أن الطعن أو التعرض لم يكن سوى وسيلة للمماطلة وتعطيل تنفيذ الأحكام. ويعكس هذا التوجه رغبة في تحقيق التوازن بين ضمان الحق في التقاضي من جهة، ومنع إساءة استعمال المساطر القضائية من جهة أخرى.
كما عزز القانون الجديد صلاحيات النيابة العامة في مجال حماية النظام العام، إذ خولها إمكانية الطعن بالبطلان في الأحكام التي تمس بالنظام العام، حتى في الحالات التي لا تكون فيها طرفاً في الدعوى الأصلية، مع إعفائها من الآجال العادية للطعن في حالات محددة، وفق الضوابط التي حددها النص التشريعي.
وفي مجال القضاء الاستعجالي، أتاح القانون إمكانية البت في بعض حالات الاستعجال القصوى دون استدعاء الخصم، كما حدد أجل استئناف الأوامر الاستعجالية في خمسة عشر يوماً، في محاولة لتحقيق سرعة أكبر في معالجة الحالات التي تستدعي تدخلاً قضائياً عاجلاً.
وشملت المستجدات أيضاً بعض الضمانات المرتبطة بالأشخاص القاصرين، حيث أصبح بالإمكان الإذن للقاصر المميز الذي يفتقر إلى النيابة الشرعية بالتقاضي أو طلب الصلح متى تعلق الأمر بمصلحة ظاهرة، بما يوسع نطاق الحماية القضائية للفئات التي قد تجد نفسها أمام أوضاع تستدعي تدخلاً قضائياً دون توفرها على التمثيل القانوني المعتاد.
أما في مرحلة تنفيذ الأحكام، فقد منح القانون صلاحيات أوسع لقاضي التنفيذ، مع إمكانية الاستعانة بالمنصة الرقمية للبحث عن أموال المنفذ عليه وتتبع إجراءات التنفيذ، فضلاً عن إمكانية إجراء البيع عبر منصة إلكترونية، وهو ما يعكس توجهاً نحو جعل التنفيذ أكثر نجاعة وشفافية والحد من العراقيل التي قد تحول دون وصول الأحكام إلى مرحلة التنفيذ الفعلي.
ويولي القانون الجديد أهمية خاصة للصلح والوساطة، إذ أصبح بإمكان المحكمة عرض الصلح على الأطراف تلقائياً أو بناءً على طلب أحدهم، مع إمكانية إسناد هذه المهمة إلى الدفاع أو المساعدين الاجتماعيين أو أي جهة تراها المحكمة مؤهلة لذلك. كما يمكن للمحكمة دعوة الأطراف إلى تسوية النزاع عن طريق الوساطة، مع إمكانية توثيق الاتفاق في حكم نهائي غير قابل للطعن، بما يعزز الحلول التوافقية ويخفف الضغط عن المحاكم.
وعلى صعيد المنازعات ذات البعد الدولي، حدد القانون الحالات والمجالات التي تكون فيها المحاكم الوطنية مختصة بالنظر في النزاعات المرتبطة بعناصر أجنبية، مستنداً إلى قواعد القانون الدولي الخاص المعاصر، وهو ما يرمي إلى توفير إطار قانوني أوضح للتعامل مع النزاعات التي تتجاوز حدود الدولة.
ويأتي دخول قانون المسطرة المدنية رقم 58.25 حيز التنفيذ في سياق إصلاح أوسع لمنظومة العدالة، حيث لا تقتصر رهاناته على تعديل بعض الإجراءات، وإنما تمتد إلى إعادة تنظيم علاقة المتقاضي بالمحكمة، وتيسير الولوج إلى القضاء، وتسريع البت في الملفات، وتعزيز الرقمنة، والرفع من فعالية تنفيذ الأحكام، مع تشديد الضوابط الرامية إلى الحد من المماطلة والتقاضي بسوء نية.





















