تتحرك رقعة الشطرنج الإقليمية في جنوب شرق آسيا نحو منحنيات بالغة الخطورة، حيث تتشابك خيوط الصراع الخفي والعلني على نحو ينذر بتغيير جذري في قواعد اللعبة الجيوسياسية المتبعة منذ عقود، ففي الوقت الذي تتصاعد فيه الاحتكاكات الميدانية المتكررة في المياه الاستراتيجية، تجد العواصم المحيطة نفسها عاجزة عن كبح جماح طموحات عسكرية متسارعة تعيد صياغة مفهوم النفوذ والهيمنة.
مانيلا التي تبدو اليوم أكثر تشددا في الدفاع عن خطوطها الحمراء، لم تعد وحدها في معادلة الاحتكاك، بل باتت واجهتها الميدانية مرآة لاختبار أعمق لمدى تماسك التحالفات الإقليمية الكبرى وقدرة القوى العظمى على الوفاء بالتزاماتها الأمنية المعقدة دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
تشهد المياه الإقليمية للفلبين، وتحديدا بالقرب من مناطق مثل سكاربره شول و توماس شول الثاني، توترات ميدانية غير مسبوقة على وقع تراجع الإدارات السابقة عن سياسات التهدئة، وفي هذا السياق، تؤكد مانيلا أن أنشطتها في منطقتها الاقتصادية الخالصة هي أعمال روتينية ومشروعة بموجب القانون الدولي وقرار محكمة التحكيم لعام 2016، متهمة خفر السواحل الصيني باستخدام أساليب عدوانية تشمل المناورات الخطيرة وإطلاق خراطيم المياه والاصطدام المتعمد.
في المقابل، تتمسك بجين بسيادتها التاريخية معتبرة أن أنشطة سفنها تأتي في إطار حماية أمنها القومي ضد ما تصفه بالاستفزازات الفلبينية المدعومة بقوى خارجية تهدف لتأجيج الصراع وتعريض الاستقرار الإقليمي لمخاطر جسيمة.
على صعيد العمل الجماعي، تجد رابطة دول جنوب شرق آسيا “آسيان” نفسها محاصرة بين مطارق المصالح الاقتصادية المرتبطة بالصين وسندان التهديدات الأمنية المتسارعة، إذ عجزت التكتلات الدبلوماسية مرارا عن الخروج بمواقف حاسمة وموحدة نظرا لتباين أولويات ومواقف الدول الأعضاء بين مواجهة ميدانية تفضلها مانيلا وفيتنام وحذر اقتصادي تفضله
عواصم أخرى، ورغم مساعي الفلبين للضغط نحو إقرار مدونة سلوك ملزمة قانونا في بحر الصين الجنوبي، إلا أن المفاوضات مع بجين تراوح مكانها وسط خلافات عميقة حول طبيعة المدونة وموقفها من التدريبات العسكرية المشتركة مع القوى الأجنبية.
في ظل هذه الاوضاع المتأزمة تتجه الأنظار الإقليمية صوب الولايات المتحدة الأمريكية لمعرفة مدى التزامها بمعادلة الردع في المحيطين الهندي والهادئ، خصوصا مع تجدد المطالبات الآسيوية لواشنطن بتبني استراتيجيات أكثر حزما، وفي الوقت الذي تؤكد فيه الإدارة الأمريكية مرارا أن معاهدة الدفاع المشترك مع الفلبين تمتد لتشمل القوات والسفن الحكومية في بحر الصين الجنوبي مع رصد مساعدات أمنية واستثمارية، تثير هذه التطورات نقاشات واسعة ومخاوف إقليمية متباينة، فبينما يرى البعض في التعاون الأمني والمناورات الثلاثية مظلة ردع ضرورية، يحذر خبراء من تداعيات ما يصفونه بسياسة الإسناد الاستراتيجي التي تدفع مانيلا لتكون في واجهة الاحتكاكات بينما تظل الضمانات الدبلوماسية عرضة للتأثر بالمتغيرات الدولية.
وبين طموحات بجين في فرض أمر واقع بحري، وصلابة مانيلا الدبلوماسية والميدانية، وتردد “آسيان” في بلورة موقف جماعي رادع، تظل المنطقة تبحث عن معادلة حرجة توازن بين لغة الردع العسكري والدبلوماسية الإقليمية لتجنب انزلاق الصراع إلى مواجهة كبرى لا غالب فيها، وسط ترقب قلق لما ستسفر عنه الأيام القادمة من مفاجآت قد تعيد خلط الأوراق تماما.





















