تشهد سماء المملكة المغربية، مساء اليوم الأربعاء 12 غشت 2026، لوحة فلكية مهيبة تتمثل في كسوف جزئي للشمس، يحبس الأنفاس ويجذب أنظار عشاق الفلك وعموم المواطنين نحو الأفق الغربي، وفي وقت تنعم فيه مناطق واسعة من شمال إسبانيا وغرينلاند وآيسلندا بكسوف كلي تام، يحظى المغرب بنصيب وافر من هذه الظاهرة الكونية عبر نسبة احتجاب قياسية واستثنائية لقرص الشمس.
لم تكن ظاهرة الكسوف دخيلة على الذاكرة التاريخية والعلمية للمغرب، فقد وثقت كتب التاريخ والفلك الإسلامي والمغربي عشرات الكسوفات عبر القرون، فمنذ العصور الوسيطة، حرص المؤرخون المغاربة وعلماء الميقات في القرويين وغيرها من الحواضر العلمية على تسجيل بدقة متناهية تفاصيل الكسوفات الشمسية والقمرية، باعتبارها آيات كونية عظمى ترتبط أحيانا بتوثيق الأحداث السياسية أو الكوارث الطبيعية.
في العصر الحديث، طبعت الذاكرة الجماعية للمغاربة عدة كسوفات شهيرة، لعل أبرزها كسوف 3 أكتوبر 2005 الذي شهد نسبة احتجاب عالية جلبته اهتماما إعلاميا وشعبيا غير مسبوق، وقبله كسوفات متعددة عبر القرن العشرين وثقتها المراصد البسيطة آنذاك، غير أن كسوف اليوم (12 غشت 2026) يكتسي طابعا خاصا لكونه يمهد الطريق ويمهد التمهيد الأكبر للحدث التاريخي المنتظر في صيف العام القادم 2 غشت 2027، والذي سيشهد فيه المغرب كسوفا كليا نادرا تعبر حواضر الشمال وعلى رأسها طنجة.
يمثل هذا الحدث الفلكي أبعادا متعددة، تجمع بين العلمي والجمالي والتوعوي، حيث يتزامن كسوف اليوم مع فترات ما بعد الظهر وبداية المساء قبيل غروب الشمس، هذا التوقيت الفريد يجعل الشمس منخفضة وقريبة من الأفق، ما يتيح للمواطنين في المدن الساحلية والشمالية، حيث ترتفع نسبة الاحتجاب لتتجاوز 92 بالمئة في طنجة والناظور، فرصة استثنائية لمتابعة المشهد بوضوح شريطة صفاء الأجواء.
كما يشكل الكسوف فرصة حية لتقريب علوم الفلك للناشئة والباحثين، وتصحيح المفاهيم المرتبطة بصفاء حركة الأجرام السماوية وانتظامها الدقيق في إطار استقامة الشمس والقمر والأرض، إضافة إلى ذلك، يتيح للمراصد والهواة رصد التغيرات الدقيقة في درجات الحرارة والضوء البيئي مع تزايد احتجاب النجم الأبرز في مجموعتنا الشمسية.
يمثل الكسوف في جانبه العملي أيضا تذكيرا بضرورة توخي الحيطة والحذر، إذ أن النسبة العالية لاحتجاب الشمس لا تعني أمان النظر إليها بالعين المجردة، وعليه، أكدت الجهات المختصة والجمعيات الفلكية على أهمية استخدام النظارات المعتمدة المزودة بمرشحات خاصة، تفاديا للأضرار البصرية الخطيرة التي قد تلحق بشبكية العين.





















