في السياسة، ليست كل العودة إلى الكلام عودة عادية.
هناك خطابات تُقال لتدبير اللحظة، وخطابات تُبنى لتثبيت مرحلة كاملة داخل الوعي الجماعي للدولة والمجتمع. والفيديو الأخير الذي نشره عزيز أخنوش حول حصيلة العمل الحكومي لا يمكن قراءته باعتباره مجرد تمرين تواصلي أو استعراض كلاسيكي للأرقام، بل باعتباره خطاباً سياسياً مؤسساتياً عالي الدلالة، يؤشر على بداية مرحلة جديدة في معركة التأويل السياسي لما جرى في المغرب منذ 2021.
لقد بدا واضحاً أن الرجل لم يختر التوقيت ولا اللغة بشكل اعتباطي.
ففي الأشهر الأخيرة، تصاعدت داخل بعض الأوساط السياسية والإعلامية قراءات تعتبر أن أخنوش بدأ يبتعد تدريجياً عن الواجهة السياسية، خصوصاً بعد مغادرته رئاسة حزب التجمع الوطني للأحرار وفق القوانين التنظيمية للحزب. غير أن مضمون الفيديو، وطريقة بنائه، والنفس السياسي الذي يحمله، كلها عناصر تقول شيئاً مختلفاً تماماً:
الرجل لا يعلن نهاية حضوره السياسي، بل يعيد تعريف موقعه داخل المشهد.
فالرسالة العميقة للفيديو لا تختزل في الدفاع عن حصيلة حكومة، بل في تثبيت فكرة الاستمرارية السياسية والمؤسساتية لمسار كامل من التحولات التي عرفها المغرب خلال السنوات الأخيرة.
ولهذا السبب تحديداً، حرص أخنوش على بناء خطابه خارج منطق الصراع الحزبي التقليدي، متجنباً لغة المواجهة السياسية أو الحسابات الانتخابية الضيقة، ومتجهاً نحو خطاب أقرب إلى منطق “رجل الدولة” الذي يتحدث باسم ورش استراتيجي للدولة المغربية لا باسم أغلبية حكومية ظرفية.
من هنا يمكن فهم الإصرار الواضح داخل الفيديو على ربط مختلف الأوراش الاجتماعية بالرؤية الملكية وبالاختيارات الكبرى التي يقودها الملك محمد السادس.
لم يحاول الرجل أن يقدم نفسه باعتباره صاحب “المشروع”، بل باعتباره المسؤول الذي قاد مرحلة تنزيل مشروع ملكي بنَفَس اجتماعي غير مسبوق في تاريخ المغرب المعاصر.
وهذا المعطى أساسي لفهم الرسالة السياسية الحقيقية للفيديو:
نحن أمام خطاب يسعى إلى تحويل الحصيلة الحكومية من مجرد “إنجازات قطاعية” إلى جزء من سردية الدولة المغربية الجديدة.
ولذلك أيضاً، لم يكن التركيز على الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية والدعم الاجتماعي المباشر مجرد اختيار تقني داخل الحصيلة، بل اختياراً سياسياً واعياً يروم تثبيت مفهوم جديد للشرعية العمومية:
شرعية الدولة الاجتماعية.
لقد أدركت السلطة التنفيذية، ومعها الدولة، أن التحولات الكبرى لم تعد تُقاس فقط بحجم المشاريع والبنيات التحتية والاستثمارات، بل كذلك بقدرة الدولة على حماية مواطنيها من الهشاشة والسقوط الاجتماعي.
ومن هنا جاءت لغة الفيديو شديدة القرب من الحياة اليومية للمغاربة:
الحرفي الذي كان يبيع ممتلكاته للعلاج،
الأرملة التي أصبحت تتوصل بالدعم،
المسن الذي دخل لأول مرة ضمن دائرة الحماية،
والمريض المزمن الذي لم يعد العلاج بالنسبة إليه مرادفاً للإفلاس.
هذه ليست مجرد أمثلة اجتماعية، بل أدوات لبناء إدراك جماعي جديد لوظيفة الدولة.
في العمق، كان أخنوش يجيب عن السؤال الأكثر إرباكاً الذي طارد الحكومة طوال السنوات الأخيرة:
إذا كانت هناك كل هذه الأوراش، فلماذا لا يشعر المواطن دائماً بانعكاسها المباشر على قدرته الشرائية؟
والجواب الذي يقترحه الخطاب واضح:
لأن المغرب كان يؤسس بالتوازي لتحول بنيوي أعمق من منطق الربح الظرفي أو التحسن الآني في الدخل؛ كان يبني شبكة حماية اجتماعية واسعة تُعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة.
أي أن الرسالة لم تعد:
“الدولة تُنجز فقط”،
بل:
“الدولة تحمي أيضاً”.
وهنا تحديداً تكمن القوة السياسية الحقيقية للفيديو.
فالحكومة لا تحاول فقط الدفاع عن حصيلتها، بل تحاول تثبيت رواية سياسية كاملة للمرحلة، قوامها أن السنوات الأخيرة، رغم ما رافقها من ضغوط اقتصادية وتضخم عالمي وتحولات اجتماعية صعبة، كانت سنوات تأسيس المغرب الاجتماعي الجديد.
وهنا بالضبط تبرز نقطة شديدة الأهمية كنت أرددها دائماً:
الدول القوية ليست فقط تلك التي تُنجز، بل تلك التي تتحكم في روايتها أيضاً.
والمغرب، خلال السنوات الأخيرة، كان في حاجة إلى خطاب سياسي يشرح للناس ماذا وقع فعلاً داخل الدولة، وكيف تحولت الحماية الاجتماعية من مجرد شعارات إلى بنية عمومية تمس ملايين الأسر المغربية بشكل مباشر.
لهذا يمكن القول إن أخنوش، في هذا الفيديو، لم يكن فقط يقدم حصيلة، بل كان يستعيد زمام الرواية السياسية للمرحلة.
وفي عالم أصبحت فيه معارك الإدراك والروايات لا تقل أهمية عن الإنجازات نفسها، فإن التحكم في السردية الوطنية أصبح جزءاً من الأمن السياسي والمعنوي للدول.
برافو أخنوش… لأن المغرب يحتاج أيضاً إلى من يشرح قصته للمغاربة، لا فقط إلى من ينجزها في صمت.





















