لم تعد الخلافات داخل جبهة البوليساريو تقتصر على النقاشات المغلقة، بل بدأت تجد طريقها إلى العلن في مؤشر يراه متابعون انعكاسا لمرحلة دقيقة تمر بها الجبهة، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها ملف الصحراء المغربية، واتساع دائرة التأييد الدولي للمبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها الإطار الأكثر جدية وواقعية لتسوية هذا النزاع تحت رعاية الأمم المتحدة.
وأعاد محمد سالم ولد السالك، المستشار الدبلوماسي لزعيم الجبهة إبراهيم غالي و”وزير الخارجية” السابق، هذا النقاش إلى الواجهة بعدما أقر بوجود نقاش داخلي بشأن كيفية التعاطي مع المبادرة المغربية للحكم الذاتي، معترفا بأن الضغوط الدولية، وفي مقدمتها الأمريكية، أصبحت تفرض معطيات جديدة على مختلف أطراف الملف.
ورغم أن تصريحات ولد السالك لم تصل إلى حد الإعلان عن تحول رسمي في موقف البوليساريو، فإن مجرد الإقرار بوجود نقاش حول المبادرة المغربية شكل تطورا غير مألوف داخل تنظيم ظل لعقود يحرص على إظهار موقف موحد، بعيدا عن أي تباينات قد توحي بوجود مراجعات داخلية.
ولم يتأخر الرد من الجناح المتشدد داخل الجبهة، إذ خرج البشير مصطفى السيد، رئيس ما يسمى بـ”المجلس الوطني الصحراوي”، ليؤكد تمسك البوليساريو بخطها التقليدي، رافضا أي حديث عن مراجعة المواقف أو تقديم تنازلات، في تصريحات عكست حجم الحساسية التي أصبحت تثيرها أي إشارات إلى إمكانية إعادة تقييم الخيارات السياسية للجبهة.
وتزامن ذلك مع تداول تصريحات ومنشورات على منصات التواصل الاجتماعي صادرة عن شخصيات محسوبة على البوليساريو، دعت بعضها إلى التعامل بواقعية مع المتغيرات الدولية والبحث عن مخرج سياسي للأزمة، مقابل أصوات أخرى تمسكت بخطاب الرفض، معتبرة أن أي مرونة قد تفسر باعتبارها تراجعا عن المواقف التي تبنتها الجبهة منذ عقود.
وفي المقابل، سارع مقربون من إبراهيم غالي إلى نفي وجود أي اتفاق أو تحول رسمي، مؤكدين أن الاتصالات الجارية تندرج ضمن المشاورات السياسية المعتادة ولم تسفر عن أي قرار نهائي، وهو نفي لم يوقف الجدل الذي أثارته التصريحات الأخيرة، خاصة أنها جاءت في توقيت يعرف حراكا دبلوماسيا مكثفا حول مستقبل الملف.
ولا يمكن فصل هذه التباينات عن السياق الدولي الذي يشهده نزاع الصحراء، إذ راكم المغرب خلال السنوات الأخيرة مكاسب دبلوماسية متتالية عززت موقع مبادرة الحكم الذاتي داخل المنتظم الدولي، سواء من خلال اتساع عدد الدول الداعمة للمبادرة أو عبر مواقف دول مؤثرة تعتبرها الأساس الأكثر جدية ومصداقية وواقعية للتوصل إلى حل سياسي دائم تحت إشراف الأمم المتحدة.
كما أن التحركات الدبلوماسية المرتبطة بالاستحقاقات الأممية المقبلة، إلى جانب استمرار الدعم الذي تحظى به المبادرة المغربية من قوى دولية وازنة، قلصت هامش المناورة أمام قيادة البوليساريو، وجعلت خيار الاستمرار في الخطاب التقليدي يصطدم بواقع دولي يشهد تغيرات متسارعة في مقاربة هذا النزاع الإقليمي.
وفي هذا السياق، تبدو التباينات التي خرجت إلى العلن أكثر من مجرد اختلاف في وجهات النظر، إذ تعكس وجود قراءتين داخل الجبهة؛ الأولى تدرك أن موازين القوى الإقليمية والدولية لم تعد كما كانت، وأن تجاهل هذه التحولات قد يزيد من عزلة البوليساريو السياسية والدبلوماسية، بينما يصر التيار الثاني على التشبث بالخطاب التقليدي، خشية أن يؤدي أي انفتاح على المبادرة المغربية إلى تقويض الأسس التي بنت عليها الجبهة خطابها السياسي لعقود.
ولعل اللافت في هذه المرحلة ليس فقط بروز هذا النقاش، وإنما انتقاله من الكواليس إلى التصريحات العلنية، في سابقة تعكس حجم الضغوط التي تواجهها قيادة البوليساريو، بعدما كان الحرص على إظهار وحدة الموقف يشكل أحد أبرز سمات خطابها السياسي.
ومع اقتراب مواعيد أممية مهمة، واستمرار الزخم الدبلوماسي الذي يرافق المبادرة المغربية للحكم الذاتي، تبدو قيادة البوليساريو أمام اختبار سياسي غير مسبوق؛ فإما الاستمرار في النهج التقليدي رغم تضاؤل فرصه في ظل موازين القوى الحالية، وإما الانخراط في مقاربة أكثر انسجاما مع المتغيرات الدولية التي باتت تميل بصورة متزايدة إلى الحلول الواقعية والتوافقية.
إن ما يجري داخل البوليساريو لا يبدو مجرد سجال عابر بين قياداتها، بل يعكس بداية مرحلة جديدة تفرضها التحولات الدولية أكثر مما تفرضها الحسابات الداخلية. وكلما اتسعت دائرة الدعم للمبادرة المغربية للحكم الذاتي، ازدادت الضغوط على الجبهة لإعادة تقييم استراتيجيتها السياسية، وهو ما يجعل النقاش الداخلي مرشحا للتوسع خلال المرحلة المقبلة، في ظل بيئة دولية تتجه بشكل متزايد نحو تكريس الحلول الواقعية باعتبارها السبيل الوحيد لإنهاء هذا النزاع الإقليمي.




















