اوسار أحمد/
في كل عيد أضحى، تتكرر الحكاية نفسها. تتكدس أكياس النفايات في الأزقة والأحياء، وتمتلئ الحاويات ببقايا الذبائح ومخلفات الولائم، وتتحول المدن خلال الساعات الأولى من العيد إلى ورش مفتوح يحتاج إلى تدخل سريع حتى لا تنتشر الروائح الكريهة وتتشوه صورة الفضاءات العامة.
وفي كل عيد أيضاً، يخرج علينا جيش من محترفي جمع التفاعلات على مواقع التواصل الاجتماعي، يحملون هواتفهم أكثر مما يحمل عمال النظافة مكانسهم، ويتسابقون إلى تصوير العامل وهو يرفع كيساً من النفايات أو يدفع حاوية أو يجمع مخلفات العيد، ثم يرفقون الصورة بعبارات جاهزة من قبيل: “هؤلاء هم الأبطال الحقيقيون”، و”شكراً لجنود الخفاء”، و”تحية إجلال وإكبار”.
بعد دقائق قليلة، تنهال الإعجابات والتعليقات والمشاركات، ويشعر صاحب المنشور بأنه أدى واجبه الوطني كاملاً بمجرد أنه نشر صورة لعامل نظافة دون أن يستأذنه أصلاً في تصويره.
المشكلة أن كثيرين يخلطون بين احترام العامل وبين تحويله إلى مادة للاستهلاك العاطفي على شبكات التواصل الاجتماعي. فالعامل لا يحتاج إلى آلاف القلوب الحمراء على فيسبوك بقدر ما يحتاج إلى عقد عمل يحفظ كرامته، وأجر يكفي أسرته، وتأمين صحي يحميه عندما يمرض، وتجهيزات مهنية تحميه عندما يؤدي عمله.
كم من مرة رأينا عامل نظافة يرتدي حذاءً مهترئاً لا يصلح حتى للمشي العادي، فكيف بالتعامل مع الأزبال والمخلفات الحادة؟ وكم من مرة شاهدنا ملابس عمل ممزقة وقفازات بالية وأدوات لا تليق بقطاع يفترض أنه يقدم خدمة أساسية للمواطنين؟ ثم يأتي بعضهم بعد ذلك ليحدثنا عن “الأبطال”.
الأبطال لا يحتاجون إلى منشورات موسمية. الأبطال يحتاجون إلى حقوق.
الغريب أن المجتمع لا يتذكر عامل النظافة إلا عندما يمتلئ الحي بالنفايات أو عندما يحل عيد الأضحى. أما عندما تنتهي المناسبة وتختفي الصور من الصفحات، يعود العامل إلى واقعه المعتاد، حيث الأجور المحدودة والظروف الصعبة والعمل الشاق الذي يبدأ بينما لا يزال معظم الناس نائمين في أسرّتهم.
الأكثر غرابة أن بعض الشركات المكلفة بتدبير قطاع النظافة تستفيد بدورها من هذه الموجات العاطفية. فبدل أن ينشغل الناس بالسؤال عن ظروف العمل وجودة المعدات ومستوى الأجور والتغطية الاجتماعية، ينشغلون بتوزيع عبارات الشكر الافتراضية. وكأن كلمات الإطراء أصبحت بديلاً عن الحقوق المهنية.
لا أحد يطلب من عامل النظافة أن يكون بطلاً. هو لم يخرج في مهمة إنسانية تطوعية، ولم يتبرع بوقته من أجل إسعاد سكان المدينة. إنه يؤدي عملاً يتقاضى عنه أجراً، تماماً كما يفعل الطبيب والمهندس والأستاذ ورجل الإطفاء وسائق الحافلة. الفرق الوحيد أن بعض المهن تحظى بالاحترام العملي، بينما تُمنح مهن أخرى جرعات موسمية من العاطفة الرقمية.
لهذا، فإن أفضل تكريم يمكن أن يقدم لعمال النظافة ليس التقاط الصور معهم ولا نشر وجوههم على صفحات التواصل الاجتماعي، بل أن نراهم يعملون في ظروف مهنية تليق بكرامتهم الإنسانية. أن تكون لهم أجور عادلة، وتجهيزات حديثة، وملابس لائقة، وتأمينات اجتماعية وصحية حقيقية، ومسارات مهنية مستقرة.
عندما يتحقق ذلك، لن نحتاج كل عيد إلى تذكير الناس بأن عمال النظافة أبطال. يكفي أن نعاملهم كمواطنين كاملين في الحقوق، لا كموضوع موسمي للشفقة الإلكترونية وحصد الإعجابات.




















