باحدة عبد الرزاق
تمر بعض الأخبار مرور الكرام، ليس لأنها قليلة الأهمية، بل لأن ضجيج الأحداث اليومية يحجب أحيانا ما يستحق التوقف عنده. ومن بين هذه الأخبار، ذلك الذي أعلن حصول المختبر الوطني للشرطة العلمية والتقنية التابع للمديرية العامة للأمن الوطني على الاعتماد الدولي وفق المعيار “ISO/CEI 17025” في جميع تخصصاته العلمية. خبر قد يبدو للبعض تقنيا، لكنه في الحقيقة يحمل دلالات أكبر بكثير من مجرد شهادة جودة.
في الدول التي تراهن على مؤسساتها، لا تقاس قوة الأجهزة الأمنية فقط بعدد الموقوفين أو العمليات الناجحة، بل أيضا بقدرتها على إنتاج دليل علمي لا يترك مجالا للتشكيك. فالجريمة اليوم أصبحت أكثر تعقيدا، وتعتمد على التكنولوجيا والوسائل الرقمية، ولم يعد ممكنا مواجهتها بالأدوات التقليدية وحدها، بل بالعلم والخبرة والابتكار.
ولهذا، فإن حصول مختبر الشرطة العلمية المغربي على هذا الاعتماد الدولي ليس مكسبا إداريا، وإنما اعتراف من هيئة دولية متخصصة بأن الخبرة الجنائية المغربية أصبحت تستجيب لأعلى المعايير المعتمدة عالميا، سواء في تحليل الحمض النووي، أو الكيمياء الجنائية، أو فحص الوثائق، أو الأدلة الرقمية، أو الحرائق والمتفجرات، أو المخدرات والمواد السامة. وهو اعتراف لا يمنح بالمجاملة، وإنما بعد افتحاص دقيق يشمل البنيات والتجهيزات والكفاءات البشرية ومنظومة الجودة والحكامة وأخلاقيات العمل العلمي.
الأهم من ذلك أن هذا الإنجاز يكشف حجم التحول الذي عرفته الشرطة العلمية المغربية خلال السنوات الأخيرة. فمنذ سنة 2016، لم يعد الأمر يتعلق بمختبر ينجز الخبرات، بل بمنظومة متكاملة جرى تحديثها وفق رؤية تجعل الدليل العلمي في قلب البحث الجنائي، وتربط بين حماية المجتمع وصيانة حقوق الأفراد، لأن العدالة الحديثة لا تبنى على الانطباعات، وإنما على الأدلة التي تثبتها العلوم.
ولعل أكثر ما يبعث على الارتياح أن هذا الاعتماد لم يكن الأول، بل جاء للمرة الثامنة على التوالي، مع توسيعه ليشمل مختلف التخصصات الشرعية. والاستمرار في المحافظة على هذا المستوى من الجودة أصعب بكثير من الحصول عليه لأول مرة، لأنه يعني أن المؤسسة نجحت في ترسيخ ثقافة التطوير المستمر، ولم تتعامل مع الجودة باعتبارها محطة عابرة، بل باعتبارها خيارا مؤسساتيا دائما.
لقد أصبح الأمن، في عالم اليوم، يقاس أيضا بما تمتلكه الدول من مختبرات وخبرات علمية قادرة على فك شيفرات الجرائم المعقدة، وتتبع الآثار الرقمية، وتحليل الأدلة البيولوجية والكيميائية وفق معايير دولية. وفي هذا المجال، يثبت المغرب أنه لا يكتفي بمواكبة التحولات، بل يستثمر فيها ويجعلها جزءا من منظومته الأمنية.
ولا شك أن هذا المسار يعكس رؤية متواصلة لتحديث المرفق الأمني الوطني تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، ويجسد الجهود التي تبذلها المديرية العامة للأمن الوطني من أجل الارتقاء بالشرطة العلمية والتقنية إلى مستويات دولية، في إطار استراتيجية يقودها المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني، عبد اللطيف حموشي، جعلت من التكوين والكفاءة والابتكار والجودة ركائز أساسية للعمل الأمني.
لهذا، فإن خبر اعتماد مختبر الشرطة العلمية ليس خبرا تقنيا عابرا، بل هو خبر يبعث على الفخر. لأنه يقول، ببساطة، إن أمننا لا يحمي الوطن فقط، بل يفعل ذلك بلغة يفهمها العالم كله… لغة العلم.





















