كتب زميلنا الصحافي خالد العطاوي، بنبرة ساخرة لا تخلو من اعتزاز مهني مشروع: «الصحافة الإسبانية تترجم مقالًا لي نشرته أمس في جريدة الصباح، لتضمّنه معلومات مؤكدة ومن عين المكان… وطبعًا أشارت إلى المصدر. تبًّا لتواضعي!».
وللعطاوي كامل الحق في أن يعتز، ولجريدة «الصباح» أن تفخر؛ لأن الأمر لا يتعلق بمجرد ترجمة لمقال مغربي، بل باعتراف مهني من صحيفة إسبانية بقيمة المعلومات التي توصل إليها صحافي مغربي من قلب الميدان.
المقال الذي أعادت صحيفة «El Faro de Melilla» تقديم مضمونه للقارئ الإسباني يتناول قضية شديدة الحساسية، مرتبطة بما قيل عن مراقبة أجهزة الاستخبارات الإسبانية لشخصيات سياسية مغربية لها صلة بسبتة ومليلية، بسبب مواقفها المدافعة عن السيادة المغربية على المدينتين. كما يتحدث، نقلًا عن «الصباح»، عن ضغوط يُزعم أنها وصلت إلى سحب تصاريح الإقامة من بعض الأشخاص المتبنين لهذه المواقف.
وتكتسي إثارة هذا الموضوع أهمية خاصة؛ لأنها تأتي في سياق دقيق من العلاقات المغربية الإسبانية، حيث تتقاطع المصالح الاستراتيجية والتعاون الاقتصادي والأمني مع ملفات تاريخية وسيادية ما تزال شديدة الحساسية. وفي مثل هذا السياق، تصبح الكلمة الصحافية المسؤولة جزءًا من الترافع الوطني، حين تكون مبنية على المعلومة الموثوقة والعمل الميداني، لا على الضجيج أو الشعارات.
خالد العطاوي لم يرفع صوته ليدافع عن وطنه؛ بل رفع مستوى المعلومة. ولم يكتب خطابًا دعائيًا، بل أنجز مادة صحافية أجبرت وسيلة إعلام إسبانية على التوقف عندها وترجمتها والإشارة إلى مصدرها. و هذا هو الفرق بين الدعاية والصحافة: الأولى تطلب من الآخرين تصديقها، أما الثانية فتقدم من الوقائع ما يدفعهم إلى الرجوع إليها.
هذه هي الصحافة التي يحتاجها المغرب اليوم: صحافة تدافع عن قضاياه بالمعلومة، وترافع عنه بالحجة، وتصل إلى الرأي العام الأجنبي من داخل منابره. فالصحافي لا يخدم وطنه بتجميل الواقع أو إخفاء الحقائق، وإنما بالبحث والتحقق وكشف ما ينبغي كشفه، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بملفات تمس المصالح العليا للمملكة.
لكن قيمة هذا الإنجاز تتجاوز الإشادة بخالد العطاوي أو بجريدة «الصباح»؛ إذ تفتح نقاشًا ضروريًا حول معنى التأثير الصحافي في العصر الرقمي. فالعطاوي يشتغل داخل جريدة ورقية، ومع ذلك استطاع مقاله أن يعبر الحدود ويصل إلى الصحافة الإسبانية، بينما تقدم مواقع إخبارية كثيرة نفسها باعتبارها الأكثر انتشارًا لمجرد امتلاكها صفحات يتابعها مئات الآلاف، وربما الملايين، على شبكات التواصل الاجتماعي.
غير أن العودة إلى إحصائيات بعض هذه المواقع تكشف مفارقة واضحة: أعداد هائلة على صفحات التواصل، يقابلها عدد محدود وضعيف من الزيارات إلى الموقع الإخباري نفسه. فالناس قد يشاهدون عنوانًا أو صورة أثناء التمرير السريع، لكنهم لا ينتقلون بالضرورة إلى قراءة المقال، ولا يشكلون قاعدة قراء حقيقية للمؤسسة.
لهذا السؤال مشروعً : هل نحن أمام مؤسسات صحافية رقمية، أم أمام مؤثرين من الحجم الكبير يشتغلون تحت لافتة الصحافة؟
إن امتلاك جمهور على «فيسبوك» أو غيره لا يصنع وحده مؤسسة صحافية، كما أن عدد الإعجابات لا يساوي عدد القراء. التأثير الصحافي الحقيقي يُقاس بقدرة المؤسسة على إنتاج الخبر، وصناعة النقاش، وبناء الثقة، والتحول إلى مصدر تستند إليه وسائل إعلام أخرى داخل الوطن وخارجه.
وما حققه خالد العطاوي يقدم نموذجًا واضحًا لهذا التأثير: صحافي في جريدة ورقية مغربية نشر معلومة من عين المكان، فتحولت مادته إلى مرجع لصحيفة إسبانية في موضوع يقع في صميم الترافع الوطني وفي واحدة من أكثر مناطق العلاقات المغربية الإسبانية حساسية.
هنيئًا لجريدة «الصباح»، وهنيئًا للزميل خالد العطاوي. والرحمة لمن أطّره وعلّمه أن الصحافي الحقيقي لا يطارد أرقام المتابعين، بل يطارد المعلومة؛ فإذا أمسك بها، عبرت الحدود حاملة اسمه… وصوت وطنه.خالد العطاوي




















