تفرض التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم الرقمي على المغرب إعادة التفكير في طريقة تدبير البيانات والمعطيات الشخصية، باعتبارها لم تعد مجرد معلومات تقنية، بل أصبحت جزءاً من مقومات السيادة الوطنية ورهاناً استراتيجياً مرتبطاً بمستقبل الدولة واقتصادها وأمنها.
ويؤكد خبراء في المجال الرقمي أن الانتقال نحو بناء دولة رقمية حديثة لا يمكن أن يقوم فقط على تطوير الخدمات الإلكترونية واعتماد التكنولوجيا، بل يحتاج إلى رؤية وطنية متكاملة تضع حماية الحياة الخاصة واحترام القانون في صلب هذا التحول.
ويأتي القانون رقم 09-08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي كأحد الإطارات القانونية الأساسية لتنظيم هذا المجال، انسجاماً مع الفصل 24 من دستور المملكة الذي ينص على أن “لكل شخص الحق في حماية حياته الخاصة”.
وتشمل المعطيات ذات الطابع الشخصي مختلف المعلومات المرتبطة بالأفراد، سواء تعلق الأمر بالبيانات التعريفية أو الصور والأصوات أو المعلومات البيولوجية والجينية، وهو ما يجعل طريقة جمعها وتخزينها ومعالجتها قضية تتجاوز الجانب التقني لتلامس حقوق المواطنين وأمنهم.
ومع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي والأنظمة الرقمية القادرة على تحليل كميات ضخمة من البيانات، يبرز تحدي الحفاظ على التحكم الوطني في هذه المعطيات، خاصة في ظل إمكانية إنتاج قرارات آلية قد تكون خارج نطاق الرقابة والسيادة الوطنية إذا لم تُبنَ منظومة واضحة للحكامة الرقمية.
ويرى مهتمون بالشأن الرقمي أن المغرب، الذي راكم تجربة مهمة في تدبير المشاريع الكبرى للبنيات التحتية المادية، من موانئ وطرق وسكك حديدية ومشاريع الطاقات المتجددة، مطالب اليوم بنقل هذه الرؤية الاستراتيجية إلى المجال غير المادي، عبر بناء بنية رقمية منظمة ومستدامة.
ويشبه المتخصصون قواعد حماية البيانات بقواعد السير على الطرقات، إذ لا يكفي امتلاك وسائل تقنية متطورة، بل يتطلب الأمر احترام ضوابط واضحة ومراقبة مستمرة وتدبيراً استباقياً للمخاطر، لتفادي ما يمكن وصفه بـ”حوادث رقمية” قد تكون لها انعكاسات على الأفراد والمؤسسات.
كما يبرز أن الأمن السيبراني وحماية المعطيات الشخصية مجالان متداخلان، لكن لكل منهما خصوصيته؛ فالأول يهتم بحماية الأنظمة والشبكات من الاختراقات، بينما يركز الثاني على ضمان احترام حقوق الأشخاص أثناء معالجة معلوماتهم.
ولا يتعلق بناء الدولة الرقمية فقط برقمنة قطاعات منفصلة مثل الصحة أو التعليم أو الاقتصاد، بل يتطلب اعتماد تصور وطني موحد يضمن انسجام مختلف المشاريع، ويحول الرقمنة إلى رافعة للتنمية والاستقرار.
ويشكل إشراك الكفاءات المغربية داخل الوطن وخارجه، إلى جانب دعم الابتكار المحلي، أحد الشروط الأساسية لإنجاح هذا التحول، خصوصاً أن المجال الرقمي أصبح فضاءً تتقاطع فيه الخبرات التقنية مع الرهانات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية.
ويرى مراقبون أن مستقبل المغرب الرقمي لن يُقاس فقط بعدد المنصات والخدمات الإلكترونية، وإنما بمدى قدرته على بناء نموذج يقوم على الثقة وحماية الحقوق وتحقيق التوازن بين الابتكار واحترام الحياة الخاصة.
فالدولة الرقمية المنشودة ليست مشروعاً تقنياً فقط، بل هي ورش مجتمعي شامل يحتاج إلى حكامة واضحة، وتشريعات فعالة، وبنية تحتية قوية، بما يجعل البيانات أداة لخدمة التنمية بدل أن تتحول إلى مصدر للمخاطر أو وسيلة للتأثير على استقرار المجتمع.





















