نجيبة جلال /
شيء ما يتآكل بهدوء داخل هذا المجتمع.
ليس الاقتصاد.
ليس السياسة.
ولا حتى الثقة فقط.
الذي يتآكل فعلاً هو الذوق العام… والقدرة على التمييز.
لقد نجحت مواقع التواصل الاجتماعي في صناعة أخطر مخدر جماعي عرفه هذا العصر: التفاهة.
تفاهة تُستهلك صباحًا ومساءً، بين “اللايفات”، والفضائح، والصراخ، والشتائم، والتحريض، وتحويل كل شيء إلى فرجة رخيصة.
صرنا نعيش زمنًا غريبًا، يُقاس فيه تأثير الأشخاص بعدد المشاهدات لا بقيمة الأفكار، ويصبح فيه صاحب الصوت المنتشر أكثر “مصداقية” من صاحب الحجة.
زمن يستطيع فيه شخص لم يقرأ كتابًا واحدًا أن ينصّب نفسه محللًا استراتيجيًا، وخبيرًا أمنيًا، وقاضيًا، ومحققًا، وثائرًا… في بث مباشر واحد.
الأكثر خطورة أن هذا العبث لم يعد مجرد ظاهرة هامشية.
لقد تحول إلى ثقافة كاملة.
ثقافة تقوم على النسيان السريع، والانفعال السريع، وإعادة تدوير نفس الأكاذيب كل أسبوع، لأن أحدًا لم يعد يتذكر أصلًا
ماذا قيل بالأمس.
بل وصل الأمر إلى مستوى أكثر عبثية:
حين لا يجد البعض فضيحة… يصنعها.
اكسر زجاج واجهة محل.
أخرج هاتفك أو ميكروفونك.
ثم ابدأ العرض:
“متابعين الكرام… مجهولون يكسرون الزجاج… المدينة تعيش على وقع الفوضى… أين الأمن؟”
وفي دقائق، تبدأ التعليقات، والتحليلات، ونظريات المؤامرة، والشتائم، والغضب الجماعي.
لا أحد يسأل:
من صوّر؟
ومن كان حاضرًا قبل الجميع؟
ولماذا أصبح بعض الناس يركضون وراء الكارثة كما يركض الصحفي الحقيقي وراء الحقيقة؟
لقد صار جزء من هذا المحتوى يعيش على صناعة الذعر، لا على نقل الوقائع.
المهم ليس ما حدث فعلًا.
المهم أن يبدو المشهد صادمًا.
أن تحصل على “البوز”.
أن ترتفع المشاهدات.
أما الحقيقة، فهي مجرد تفصيل مزعج أحيانًا
و المفارقة ؟ إنها صادمة بكل المعايير .
نفس الأشخاص الذين اعتدنا صراخهم بأن كل مؤسسات الدولة فاسدة، يطالبونها بحمايتهم.
ونفس الذين يسخرون من الإعلام المهني يبحثون عن بطاقات الصحافة والاعتراف القانوني.
ونفس الذين يهاجمون القضاء، يحتفلون بالأحكام حين توافق أهواءهم.
لا أحد يراجع نفسه.
لا أحد يشعر بالحرج.
ولا أحد يتوقف ليسأل: كيف يمكن للإنسان أن يناقض نفسه بهذا الشكل دون أن يهتز ضميره؟
الجواب بسيط:
حين تتحول التفاهة إلى إدمان، يسقط المنطق أولًا.
في هذا العالم الرقمي، لا مكان للذاكرة.
المهم هو “البوز”.
أما الحقيقة، فتأتي في آخر القائمة… إن جاءت أصلًا.
لهذا أصبح الكثيرون يعيشون فقط على الكراهية، وعلى اختراع المعارك الوهمية، وعلى تحويل الناس إلى جماهير غاضبة بشكل دائم.
كل يوم يصنعون خصما جديد
كل يوم يخترعون مستبدا جديدا.
كل يوم “فضيحة خطيرة”.
ثم يختفي كل شيء فجأة… ويبدأ العرض التالي.
إنه اقتصاد قائم على الإثارة، لا على الوعي.
اقتصاد يربح فيه من يشتم أكثر، لا من يفكر أكثر.
والنتيجة أمامنا:
مجتمع متوتر، سريع الانفعال، سهل التوجيه، وضعيف المناعة الفكرية.
المعركة الحقيقية اليوم ليست فقط معركة سياسية و ولا إعلامية .
إنها معركة ضد تسطيح العقل.
ضد تحويل المجتمع إلى قطيع رقمي يستهلك الغضب كما يستهلك الترفيه.
فليس الخطر في أن تختلف الأمة… بل أن تفقد قدرتها على التفكير وسط هذا السيرك و هي ليس لها سوى ذاكرة سمكة.





















