في عالم تتزايد فيه هشاشة الاقتصاد الدولي أمام الصدمات الجيوسياسية، لا تكتفي المؤسسات المالية وشركات التأمين بمتابعة مؤشرات النمو والتضخم، بل أصبحت تراقب أيضا المخاطر السياسية والتجارية التي قد تعطل سلاسل الإنتاج أو تهدد قدرة الشركات والدول على الوفاء بالتزاماتها.
وفي هذا الإطار، أصدرت مجموعة كوفاس (Coface)، إحدى أبرز المؤسسات العالمية المتخصصة في تأمين الائتمان التجاري وتقييم مخاطر الدول والقطاعات الاقتصادية، تقريرها الدوري لشهر يونيو 2026 تحت عنوان “بارومتر مخاطر البلدان والقطاعات: استراحة لالتقاط الأنفاس في الخليج الفارسي”، وهو تقرير يعد مرجعا لدى المستثمرين والمؤسسات البنكية والمصدرين وشركات التأمين لتقييم البيئة الاقتصادية العالمية واتخاذ قرارات الاستثمار والتمويل.
ويستند هذا التقرير إلى تحليل المخاطر التي تواجه أكثر من مائة دولة وعشرات القطاعات الاقتصادية، من خلال قياس قدرة الاقتصادات على الصمود أمام الأزمات، ومدى تأثر الشركات بالتقلبات الاقتصادية والمالية والجيوسياسية.
هدنة سياسية… لكنها لا تعني انتهاء المخاطر
يرى التقرير أن توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران شكل انفراجا سياسيا مرحليا بعد أكثر من خمسة عشر أسبوعا من المواجهة، إلا أن هذه التهدئة لا تعني إطلاقا عودة الاقتصاد العالمي إلى وضعه الطبيعي.
فالنزاع، الذي امتد لفترة أطول بكثير مما كانت تتوقعه الأسواق والمؤسسات الدولية، ترك آثارا عميقة على التجارة العالمية وعلى حركة الطاقة والنقل البحري، وهي آثار ستستمر حتى وإن توقفت العمليات العسكرية.
ويؤكد التقرير أن الأشهر المقبلة ستكون حاسمة، لأن أي انهيار للتهدئة أو عودة للتصعيد قد تعيد الاقتصاد العالمي إلى مرحلة جديدة من الاضطرابات والتضخم.
مضيق هرمز… شريان الاقتصاد العالمي
يعيد التقرير التأكيد على حقيقة اقتصادية غالبا ما يتم تجاهلها خارج أوقات الأزمات، وهي أن مضيق هرمز ليس مجرد ممر بحري، بل أحد أهم الشرايين التي تغذي الاقتصاد العالمي بالطاقة.
فهذا المضيق تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز والمنتجات البترولية، إضافة إلى مواد أساسية تدخل في الصناعات الكيماوية والأسمدة.
ولهذا فإن أي اضطراب في الملاحة داخله لا ينعكس فقط على أسعار النفط، بل يمتد إلى تكلفة النقل البحري والإنتاج الصناعي والأسعار النهائية للسلع في مختلف أنحاء العالم.
الاقتصاد العالمي… صمود مؤقت
ورغم حدة الأزمة، يرى خبراء كوفاس أن الاقتصاد العالمي تمكن إلى حدود الآن من امتصاص جانب مهم من الصدمة، بفضل المخزونات الاستراتيجية التي راكمتها الدول والشركات، إضافة إلى تراجع الطلب في بعض القطاعات.
غير أن التقرير يحذر من أن هذه العوامل أصبحت تستنفد تدريجيا، وهو ما يعني أن الجزء الأصعب من الأزمة قد يظهر خلال النصف الثاني من السنة، عندما تبدأ الشركات في مواجهة ارتفاع تكاليف الإنتاج وصعوبة التزود بالمواد الأولية.
ولهذا السبب خفضت كوفاس توقعاتها للنمو العالمي إلى 2.3% سنة 2026 و2.5% سنة 2027، بعدما كانت تتوقع مستويات أعلى قبل اندلاع الأزمة، أي بخفض تراكمي بلغ 0.6 نقطة مئوية خلال عامين.
النفط سيظل مرتفعا
أحد أهم استنتاجات التقرير يتمثل في أن أسعار الطاقة لن تعود بسرعة إلى مستوياتها السابقة.
فكوفاس تتوقع أن يبلغ متوسط سعر خام برنت حوالي 85 دولارا للبرميل خلال سنة 2026، قبل أن يتراجع إلى حوالي 75 دولارا في 2027، وهي مستويات تبقى أعلى بكثير من السيناريوهات التي كانت معتمدة قبل اندلاع الأزمة.
ويرجع التقرير ذلك إلى استمرار الحاجة لإعادة تكوين المخزونات الاستراتيجية، إضافة إلى الغموض الذي يحيط بعودة الإمدادات إلى مستوياتها الطبيعية.
سلاسل الإمداد تعود إلى دائرة الخطر
من أبرز ما توقف عنده التقرير، عودة الضغط على سلاسل التوريد العالمية، وهي الظاهرة التي عرفها العالم خلال جائحة كوفيد-19.
ويكشف التقرير أن حركة الملاحة عبر مضيق هرمز انهارت بشكل غير مسبوق، بعدما انخفض عدد السفن العابرة خلال شهر ماي إلى 145 سفينة فقط، مقابل أكثر من 3300 سفينة خلال الفترة نفسها من السنة الماضية.
وقد أدى ذلك إلى:
- ارتفاع تكاليف النقل البحري.
- تمدد آجال التسليم.
- ارتفاع أسعار الشحن.
- اتجاه الشركات نحو تكوين مخزونات احتياطية.
- زيادة الضغوط على السيولة وهوامش الربح.
موجة جديدة من تعثر الشركات
وترى كوفاس أن استمرار هذه الظروف سيؤدي إلى ارتفاع حالات إفلاس وتعثر الشركات على الصعيد العالمي.
فبعد أربع سنوات متتالية من ارتفاع حالات الإفلاس، تشير المؤشرات الأولية لسنة 2026 إلى تسارع جديد، خاصة في الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا واليابان، مع تضرر قطاعات النقل والبناء والصناعة بشكل خاص.
اختلاف التأثيرات بين المناطق
ورغم الطابع العالمي للأزمة، فإن انعكاساتها تختلف من منطقة إلى أخرى.
ففي دول الخليج، تبدو الاقتصادات الأكثر اعتمادا على مضيق هرمز الأكثر تضررا، بينما تستفيد سلطنة عمان نسبيا من موقعها الجغرافي الذي يقلل اعتمادها على المضيق. أما السعودية فتظل أقل تأثرا بفضل منفذها على البحر الأحمر وقدرتها على تصدير جزء من نفطها عبره.
وفي أوروبا، لا تزال أسعار الطاقة المرتفعة وضعف الطلب الداخلي وعدم اليقين السياسي تضغط على النمو، خاصة في ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، في وقت تواصل فيه الأسر الأوروبية رفع معدلات الادخار تحسبا لمزيد من الصدمات.
أما الولايات المتحدة، فرغم استمرار متانة الاقتصاد نسبيا، عاد التضخم إلى الارتفاع من 2.4% في فبراير إلى 4.2% في ماي، وهو ما يضغط على القدرة الشرائية للأسر ويجعل الاحتياطي الفيدرالي أكثر حذرا في تخفيف السياسة النقدية.
وفي آسيا، تبدو الصورة أكثر تباينا؛ إذ تستفيد اقتصادات التكنولوجيا، خصوصا كوريا الجنوبية وتايوان، من الطفرة العالمية في الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، بينما تواجه الصناعات التقليدية ارتفاع تكاليف الطاقة وتراجع هوامش الربحية.
أما أمريكا اللاتينية، فتواجه عودة التضخم وارتفاع أسعار الفائدة، وهو ما يقلص هوامش المناورة أمام البنوك المركزية، كما هو الحال في البرازيل.
ماذا عن إفريقيا والمغرب؟
يشير التقرير إلى أن الاقتصادات الإفريقية لن تتأثر بنفس الدرجة، غير أن معظمها سيواجه موجة جديدة من التضخم نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة والأسمدة والمواد الغذائية.
ويبرز التقرير أن المغرب، إلى جانب جنوب إفريقيا ومصر ونيجيريا، يعد من أكثر الاقتصادات الإفريقية حساسية لارتفاع أسعار المحروقات، بحكم وزن الطاقة في النشاط الصناعي والنقل، وهو ما قد ينعكس على تكاليف الإنتاج والأسعار الداخلية إذا استمرت الأزمة. وفي المقابل، قد تستفيد بعض الدول الإفريقية المصدرة للمعادن أو المحروقات من ارتفاع الأسعار العالمية لهذه المواد.
41 خفضا للتصنيف القطاعي… رسالة تحذير
من أبرز خلاصات التقرير أن كوفاس قامت خلال هذا التقييم بخفض تصنيف ثمانية بلدان، كما أجرت 45 تعديلا على تقييمات القطاعات الاقتصادية، من بينها 41 خفضا للتصنيف مقابل أربع عمليات رفع فقط، وهو ما يعكس اتساع دائرة المخاطر التي أصبحت تشمل معظم مناطق العالم.
ويؤكد كبير الاقتصاديين في كوفاس، جان كريستوف كافيه، أن الهدنة الحالية في الشرق الأوسط تمثل خبرا إيجابيا للأسواق، لكنها لا تمحو الآثار الاقتصادية التي خلفها النزاع، والتي ستستمر في التأثير على التجارة الدولية وربحية الشركات ومستويات التشغيل خلال الأشهر المقبلة.





















