اوسار أحمد/
تحل الذكرى السابعة والعشرون لعيد العرش المجيد، والمغرب يقف أمام واحدة من أبرز المحطات التي ميزت عهد صاحب الجلالة الملك محمد السادس، وهي التحول العميق الذي عرفته قضية الصحراء المغربية على الصعيد الدولي. فهذا المسار لم يكن وليد ظرف سياسي عابر، بل جاء نتيجة رؤية استراتيجية قادها جلالة الملك على مدى أكثر من ربع قرن، أعادت صياغة موقع المملكة داخل المنتظم الدولي ورسخت عدالة قضيتها الوطنية.
ومنذ اعتلاء جلالة الملك العرش سنة 1999، اختارت المملكة الانتقال من منطق الدفاع عن موقفها إلى نهج المبادرة وبناء الشراكات. وتُوج هذا التوجه سنة 2007 بتقديم مبادرة الحكم الذاتي، التي سرعان ما تحولت إلى المرجعية الأساسية التي تستند إليها الأمم المتحدة وعدد متزايد من الدول باعتبارها الحل الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لإنهاء النزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية.
ولم تقتصر الرؤية الملكية على الدفاع عن الموقف المغربي داخل أروقة الأمم المتحدة، بل امتدت إلى تعزيز الحضور الدبلوماسي للمملكة في إفريقيا وأوروبا والأمريكيتين والعالم العربي، من خلال شراكات استراتيجية وزيارات ملكية واتفاقيات تعاون أسهمت في توسيع دائرة الدعم الدولي للوحدة الترابية للمملكة.
وشكلت عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017 محطة مفصلية في هذه الاستراتيجية، إذ استعادت المملكة مكانتها داخل المؤسسة القارية، وعززت حضورها السياسي والاقتصادي، بما انعكس إيجاباً على مواقف العديد من الدول الإفريقية من قضية الصحراء.
كما رسخ جلالة الملك توجهاً واضحاً في السياسة الخارجية للمغرب عندما أكد أن قضية الصحراء تظل المعيار الذي تقاس به طبيعة الشراكات والمواقف الدولية تجاه المملكة، وهو ما أرسى دبلوماسية تقوم على الوضوح والاحترام المتبادل والدفاع عن المصالح العليا للوطن.
وأثمر هذا المسار عن سلسلة من المكاسب الدبلوماسية، من أبرزها افتتاح عشرات القنصليات العامة بمدينة العيون والداخلة، وتنامي الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي من قبل قوى مؤثرة، في مقدمتها الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا والمملكة المتحدة، التي اعتبرت المبادرة المغربية الإطار الأكثر جدية وواقعية لتسوية النزاع.
وجاء اعتماد مجلس الأمن القرار رقم 2797 ليجسد ثمرة هذا العمل الدبلوماسي المتواصل، ويؤكد المكانة التي أصبحت تحظى بها المبادرة المغربية داخل المنتظم الدولي، باعتبارها الأساس الواقعي للتوصل إلى حل سياسي دائم. وقد أبرز وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، أن هذا الإنجاز تحقق بفضل الرؤية الملكية والجهود المباشرة التي بذلها جلالة الملك في التواصل مع عدد من قادة الدول قبيل جلسة التصويت.
وعقب هذا المكسب، أعلن جلالة الملك إحداث “يوم الوحدة” تخليداً لذكرى اعتماد القرار الأممي، باعتباره مناسبة وطنية للاحتفاء بوحدة المملكة وسيادتها وتجديد التشبث بالثوابت الوطنية، فيما وصف جلالته هذه المحطة بأنها لحظة فاصلة في تاريخ المغرب الحديث، مؤكداً أن هناك “ما قبل وما بعد 31 أكتوبر 2025”.
وبالتوازي مع هذا الزخم الدبلوماسي، حافظ جلالة الملك على نهج يقوم على الحوار وتعزيز الاستقرار الإقليمي، مؤكداً في أكثر من مناسبة استعداد المغرب لمد اليد إلى الجزائر، انطلاقاً من روابط الأخوة وحسن الجوار، وإيماناً بأن مستقبل المنطقة يظل رهيناً بقيام اتحاد مغاربي قوي يخدم مصالح شعوبه.
وبمناسبة عيد العرش المجيد، تبدو حصيلة الدبلوماسية المغربية شاهداً على مسار متواصل من العمل الذي قاده صاحب الجلالة الملك محمد السادس، حيث تحولت قضية الصحراء من ملف يفرض على المغرب الدفاع عن موقفه إلى قضية تحظى بدعم دولي متزايد، ما رسخ مكانة المملكة وأكد وجاهة رؤيتها في معالجة هذا النزاع الإقليمي.



















