نجيبة جلال
عندما نشر الزميل خالد العطاوي بجريدة “الصباح” مقاله حول خرجات توفيق بوعشرين الأخيرة حول أحداث سبتة، لم يكن يبالغ وهو يصف ما يجري من فوق “كنبة” البودكاست بأنه انزلاق من التحليل السياسي إلى صناعة الروايات. فالرجل لم يعد يقدم قراءة للأحداث بقدر ما أصبح يخلط الوقائع بالانطباعات، والفرضيات بالحقائق، ثم يطلب من المتابع أن يتعامل مع هذا الخليط باعتباره تحليلا سياسيا.
وإذا كان مقال العطاوي قد أثار الانتباه إلى هذا المنحى، فإن العودة إلى ما قاله بوعشرين تكشف أن الأمر لا يتعلق باختلاف في قراءة حدث سياسي، وإنما بمنهج قائم على تركيب الوقائع وفق سردية جاهزة. فما عرضه بشأن أحداث سبتة لم يستند إلى وثيقة أو معطى جديد أو مصدر معلوم، بل إلى افتراضات متلاحقة، يفضي بعضها إلى بعض، إلى أن تتحول في النهاية إلى رواية متكاملة لا يسندها أي دليل، ويصعب فيها التمييز بين ما هو ثابت وما هو مجرد تخمين.
بدأ بوعشرين بالقول إن التحرك نحو سبتة كان قرارا سياسيا، ثم انتقل إلى الحديث عن لقاءات إسبانية جزائرية، ثم قفز إلى فرضيات تتعلق بمراجعة مدريد لمواقفها، قبل أن يفتح الباب أمام الولايات المتحدة وإسرائيل، وكأن كل هذه الخيوط جزء من سيناريو واحد، دون أن يقدم دليلا واحدا، أو وثيقة واحدة، أو تسريبا واحدا يمكن إخضاعه للتحقق.
وهنا يطرح السؤال البسيط: إذا كانت هذه المعلومات صحيحة، فأين مصدرها؟ وإذا كانت مجرد قراءة شخصية، فلماذا تقدم للجمهور على أنها أقرب إلى الحقيقة من الوقائع المعلنة؟
فالتحليل السياسي ليس لعبة تركيب أحداث متفرقة لإنتاج قصة مثيرة. وليس كل ربط بين وقائع متباعدة يسمى تحليلا. فالتحليل يبدأ من الوقائع وينتهي بالاستنتاج، أما عند بوعشرين فيبدو أن الاستنتاج يأتي أولا، ثم يبدأ البحث عن أي رواية يمكن أن تخدمه، حتى وإن تناقضت مع الرواية التي سبقتها.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في خرجة بوعشرين الأخيرة أنه يشكك في كل رواية رسمية بدعوى غياب الأدلة، لكنه في المقابل يطالب الناس بتصديق رواياته، رغم أنها تخلو هي الأخرى من أي دليل. يرفض المعطيات لأنها صادرة عن المؤسسات، ثم يقدم فرضياته وكأنها حقائق مكتملة، مع أن الفارق بين الطرفين أن المؤسسات تتحمل مسؤولية ما تعلنه، بينما لا يتحمل صاحب “الكنبة” سوى عدد المشاهدات التي يحققها الفيديو.
إن المتابع لخر جات بوعشرين يلاحظ نمطا يتكرر باستمرار؛ كل حدث كبير يتحول عنده إلى مؤامرة، وكل قرار إلى رسالة خفية، وكل لقاء دبلوماسي إلى صفقة سرية، وكل تطور سياسي إلى عملية تدار من وراء الستار. إنها الوصفة نفسها التي تقوم على إثارة الشك أكثر مما تقوم على تقديم المعرفة.
ولا يحتاج القارئ إلى كثير من الجهد حتى يكتشف أن ما يقدمه بوعشرين ليس رواية واحدة متماسكة، بل مجموعة روايات متنافرة يجمعها خيط واحد، هو غياب الدليل. فمرة يتحدث عن قرار سياسي، ومرة عن غضب مغربي، ومرة عن تبدل الموقف الإسباني، ومرة عن تدخل أمريكي وإسرائيلي، دون أن يثبت أيا من هذه الادعاءات أو يربط بينها بمنطق يمكن اختباره.
ولا أجد وصفا أدق لما قيل من فوق “كنبة” بوعشرين سوى أنه “خيلوطة“ من الروايات المتناقضة، وادعاءات فارغة، وقفزات في الاستنتاج، ومحاولة لإلباس التخمين ثوب التحليل. فالتحليل السياسي لا يصنع بالإيحاءات، ولا يبنى على “ربما” و”قد يكون”، بل على الوقائع والوثائق والأدلة. وعندما يغيب كل ذلك، لا يبقى أمام القارئ سوى رواية مثيرة، لكنها بلا أساس، وضجيج إعلامي، لكنه بلا برهان.























