باحدة عبد الرزاق
في العاشر من غشت، لا يحتفي المغرب فقط بمناسبة وطنية تحمل اسم اليوم الوطني للمغاربة المقيمين بالخارج، وإنما يحتفي بجزء أصيل من ذاته، بجاليتنا المغربية التي جعلت من الحضور في الخارج امتدادا للوطن، ومن النجاح في بلدان الإقامة رصيدا يضاف إلى صورة المغرب ومكانته وإشعاعه.
ولعل أفضل مدخل لفهم المكانة التي تحتلها جاليتنا المغربية في الرؤية الوطنية هو استحضار العناية الملكية التي أحاطت بها على امتداد السنوات. ففي خطاب الذكرى الثلاثين للمسيرة الخضراء، أكد الملك محمد السادس أن الجالية المقيمة بالخارج تعد من «مقومات المغرب الجديد»، مشيدا بدورها في تنمية البلاد، والدفاع عن وحدتها الترابية، وإشعاعها الخارجي، في ارتباط وثيق بهويتها المغربية الأصيلة.
هذه الكلمات الملكية لم تكن مجرد توصيف عاطفي لمكانة ملايين المغاربة خارج الوطن، وإنما كانت تعبيرا عن رؤية متكاملة تعتبر جاليتنا المغربية شريكا في بناء المغرب، وعنصرا من عناصر قوته، وامتدادا بشريا للدولة والمجتمع خارج الحدود.
واليوم، وبعد مرور سنوات على ترسيخ هذه الرؤية، تؤكد الأرقام أن مغاربة العالم يمثلون وزنا اقتصاديا لا يمكن اختزاله في مناسبة صيفية أو في حركة العبور عبر الموانئ والمطارات.
ففي سنة ألفين وأربعة وعشرين، بلغت تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج مستوى قياسيا ناهز مائة وتسعة عشر مليار درهم، بزيادة بلغت ثلاثة فاصل ثلاثة في المائة مقارنة بسنة ألفين وثلاثة وعشرين، فيما سجلت هذه المداخيل متوسط نمو سنوي بلغ خمسة فاصل سبعة في المائة خلال الفترة الممتدة بين ألفين وواحد وعشرين وألفين وأربعة وعشرين.
وراء هذا الرقم الضخم قصص آلاف الأسر المغربية، لكنه في الوقت نفسه يعكس حقيقة اقتصادية أكبر: جاليتنا المغربية تساهم بصورة مباشرة في دعم الدورة الاقتصادية الوطنية، وفي تعزيز تدفقات العملة، وفي تمويل الاستهلاك والاستثمار والسكن والتعليم، وفي الحفاظ على روابط اقتصادية متينة بين المغرب وبلدان الإقامة.
غير أن اختزال هذه العلاقة في التحويلات المالية وحدها سيكون إجحافا في حق جاليتنا المغربية.
فالمال ليس سوى أحد أوجه القيمة التي يصنعها مغاربة العالم. أما القيمة الأكبر فتوجد أيضا في الخبرة، والمعرفة، والشبكات المهنية، والقدرة على الاستثمار، ونقل التكنولوجيا، وفتح الأسواق، وبناء الجسور بين المغرب ومحيطه الدولي.
وهذا ما يجعل السؤال اليوم ليس كم تحول جاليتنا المغربية إلى الوطن، وإنما كيف يمكن تحويل هذا الرصيد المالي والبشري والمعرفي إلى قوة أكبر في خدمة التنمية الوطنية.
وفي هذا السياق، يأتي تطوير منظومة الصرف والخدمات الموجهة إلى المغاربة المقيمين بالخارج كجزء من مسار أوسع لتكييف الإطار الاقتصادي والمالي مع حاجياتهم. فقد دخل المنشور العام لعمليات الصرف لسنة ألفين وستة وعشرين حيز التنفيذ، متضمنا تدابير تروم دعم الاستثمار وتبسيط الإجراءات وتحسين قابلية استعمال النظام بالنسبة للأشخاص الذاتيين والمستثمرين.
لكن علاقة جاليتنا المغربية بالوطن تتجاوز الاقتصاد، لتصل إلى واحدة من أكثر القضايا ارتباطا بالوجدان الوطني: قضية الوحدة الترابية.
فالمغربي المقيم في دول المهجر لا يعيش في فراغ سياسي، وإنما يعيش داخل مجتمعات تناقش المغرب وتقرأ مواقفه وتتابع قضاياه. ولذلك فإن وجود ملايين المغاربة في الخارج يمثل، في حد ذاته، رصيدا بشريا قادرا على المساهمة في التعريف بحقيقة المغرب والدفاع عن ثوابته وقضاياه الوطنية.
وقد ربط الخطاب الملكي بوضوح بين دور الجالية والتنمية والدفاع عن الوحدة الترابية والإشعاع الخارجي. وهي دلالة عميقة، لأن الدفاع عن الوحدة الترابية لم يعد شأنا محصورا في المؤسسات الرسمية، بل أصبح أيضا مسؤولية مواطنة يتقاسمها مغاربة الداخل والخارج، كل من موقعه وبالإمكانات التي يملكها.
وهنا تظهر قيمة جاليتنا المغربية كقوة ناعمة للمملكة.
فالمغربي الذي يعيش في باريس أو بروكسيل أو مدريد أو مونتريال أو أمستردام أو أي عاصمة أخرى، والذي ينجح في عمله، ويشارك في الحياة العامة، ويحافظ على هويته، ويقدم صورة إيجابية عن بلده، هو جزء من الإشعاع المغربي في العالم.
والأجمل أن أبناء جاليتنا المغربية لم يكتفوا بأن يكونوا سفراء للمغرب بالكلمة، بل أصبحوا سفراء له بالإنجاز.
ولعل كرة القدم تقدم أوضح صورة على ذلك.
فالكثير من الأسماء التي صنعت واحدة من أبرز صفحات كرة القدم المغربية الحديثة، ولاسيما خلال المسار التاريخي للمنتخب الوطني في كأس العالم بقطر، جاءت من أبناء الجالية المغربية أو من لاعبين نشؤوا وتكونوا في مدارس كرة القدم الأوروبية قبل أن يختاروا حمل القميص الوطني.
وهذا الاختيار ليس تفصيلا رياضيا عابرا.
حين يختار لاعب ولد خارج المغرب أن يحمل القميص المغربي، فإنه يحول الانتماء من مجرد ذاكرة عائلية إلى قرار شخصي، ومن علاقة وجدانية إلى حضور فوق منصة عالمية يشاهدها الملايين.
وفي كرة القدم النسوية أيضا، يواصل أبناء وبنات الجالية المغربية الحضور في المنتخبات الوطنية، بما يعكس اتساع قاعدة الكفاءات المغربية في الخارج، وقدرتها على رفد الرياضة الوطنية بعناصر نشأت في بيئات رياضية متقدمة.
ولا تتوقف الصورة عند كرة القدم.
ففي ألعاب القوى والملاكمة والتايكواندو والدراجات والرياضات الأولمبية وغيرها، حمل رياضيون من أصول مغربية اسم المملكة إلى منصات التتويج، وأثبتوا أن ارتباط مغاربة العالم بالوطن يمكن أن يتحول إلى إنجاز ملموس، وإلى علم مغربي يرفرف في فضاءات دولية.
وهذه واحدة من أجمل صور مغرب اليوم: مغربي ولد أو نشأ في الخارج، لكنه حين يحين موعد الاختيار، يختار المغرب.
اختيار القميص الوطني، في هذه الحالة، ليس مجرد اختيار رياضي، بل هو أيضا تعبير عن استمرار رابطة الانتماء بين الأجيال.
ذلك أن التحدي الحقيقي الذي يواجه جاليتنا المغربية في العقود المقبلة لن يكون فقط الحفاظ على ارتباط الجيل الأول بالمغرب، وإنما ضمان استمرار هذا الارتباط لدى أبناء الجيل الثاني والثالث والأجيال التي ولدت في بلدان الإقامة.
وهنا تبرز أهمية الرؤية الملكية التي تعاملت مع مغاربة العالم باعتبارهم مواطنين كاملين، وليس مجرد جالية اقتصادية.
ففي الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى الثلاثين للمسيرة الخضراء، تم التأكيد على تمكين الأجيال الجديدة من الجالية من ممارسة حقوقها السياسية، في إطار المساواة في المواطنة.
وهذا يعني أن العلاقة بين المغرب وجاليتنا المغربية ليست علاقة ظرفية مرتبطة بالصيف أو بتحويل الأموال، وإنما علاقة مواطنة وانتماء وحقوق وواجبات.
ومن هنا، فإن اليوم الوطني لمغاربة العالم يمثل أيضا فرصة للاعتراف بأن المغرب تغير، وأن جاليتنا المغربية تغيرت معه.
فلم يعد المغربي المقيم بالخارج هو فقط العامل الذي يغادر الوطن بحثا عن فرصة شغل ثم يعود في الصيف إلى أسرته. نحن أمام أجيال جديدة من الأطباء والمهندسين والباحثين ورجال الأعمال والمستثمرين والرياضيين والفنانين والطلبة والخبراء، الذين أصبحوا جزءا من النسيج الاقتصادي والعلمي والثقافي والسياسي للمجتمعات التي يعيشون فيها، وفي الوقت نفسه يظلون جزءا من النسيج الوطني المغربي.
وهذه الثنائية ليست نقطة ضعف، وإنما يمكن أن تكون مصدر قوة.
فالمغرب الذي يتوفر على ملايين المواطنين المنتشرين في مختلف القارات، ويتحدثون لغات متعددة، ويعرفون المجتمعات التي يعيشون فيها، ويمتلكون شبكات مهنية واقتصادية واسعة، يمتلك رصيدا بشريا نادرا يمكن أن يخدم اقتصاده ودبلوماسيته وإشعاعه الثقافي.
لذلك، فإن الاحتفاء بجاليتنا المغربية في يومها الوطني ليس احتفاء بالتحويلات وحدها، ولا بالنجاحات الرياضية وحدها، ولا بعدد المغاربة المنتشرين خارج الحدود.
إنه احتفاء بمغربٍ ممتد في العالم.
مغربٌ حاضر في الشركات والجامعات والمستشفيات والمختبرات والملاعب، حاضر في الاقتصاد والثقافة والرياضة والبحث العلمي، وحاضر أيضا في الدفاع عن قضاياه الوطنية وفي مقدمتها الوحدة الترابية.
وإذا كانت الأرقام تقول إن جاليتنا المغربية تضخ عشرات المليارات من الدراهم في الاقتصاد الوطني، فإن الإنجازات تقول شيئا أكبر: إن قيمة مغاربة العالم لا يمكن قياسها بالمال وحده.
إنها تقاس أيضا بما يصنعونه، وما يبتكرونه، وما يحققونه، وما يحملونه من صورة المغرب إلى العالم.
وفي اليوم الوطني لمغاربة العالم، نستحق أن نقول لجاليتنا المغربية، بكل اعتزاز: شكرا لكل مغربي ومغربية حافظ على صلته بالوطن، شكرا لمن استثمر في المغرب، ولمن نقل إليه خبرته، ولمن دافع عن وحدته الترابية، ولمن رفع رايته في الملاعب، ولمن نجح في الجامعة والمختبر والمقاولة والمجتمع، ولمن علم أبناءه أن المغرب ليس فقط البلد الذي ولد فيه آباؤهم، بل وطن يسكن في الذاكرة والوجدان والاختيار.
فأنتم، في نهاية المطاف، لستم مغاربة يعيشون خارج المغرب.
أنتم مغاربة العالم.





















