يونس مجاهد/
ليس جديدا، ما حصل في سبتة المحتلة من منع الصحافيين المغاربة من القيام بواجبهم، من طرف قوات الاحتلال في المدينة. فقد سبق لسلطات الاحتلال في مدينة مليلية، أن أقدمت على نفس الممارسات القمعية، تجاه الصحافيين المغاربة، سنة 2010.
بدأت الحكاية عندما نظمت النقابة الوطنية للصحافة المغربية، في 4 نوفمبر من تلك السنة، زيارة لوفد صحافي، ضم مسؤولين عن هذه النقابة ومثل الفيدرالية المغربية لناشري الصحف، كل من مصطفي الخلفي ونور الدين مفتاح، و شارك كذلك ممثلون عن وسائل إعلام عمومية وجرائد وطنية، إضافة إلى مسؤولي اللجنة النقابية في الناضور، قصد معاينة الأوضاع، بعد “إنتفاضة الكرامة”، التي شهدتها هذه المدينة، والتي خرج فيها السكان من أصول مغربية، في تظاهرات صاخبة إحتجاجا على السياسة العنصرية لسلطات الاحتلال، حيث واجهتها القوات الإسبانية بالقمع وإطلاق الرصاص، مما أدى إلى تأجيج الأحداث وحصول مواجهات عنيفة بين المتظاهرين والمحتل الإسباني.
عاين الوفد الصحافي، خلال الجولة، مظاهر واضحة للعزلة والتهميش ونقص التجهيزات الأساسية، في الأحياء التي يقطنها السكان المغاربة، واستمع إلى شهاداتهم، حول السياسة العنصرية الإسبانية، كما زار الشاب سفيان أعمار منصور، البالغ من العمر 18 سنة، والذي أصيب برصاصة حية، خلال مشاركته في الإحتجاجات أمام المندوبية الحكومية، في مليلية. وفي نهاية الجولة توجه الوفد الصحافي المغربي إلى هذه المندوبية، وطلب لقاء المندوب الإسباني، الذي اعتذر، وطلب تأجيله إلى يوم آخر.
كان الوفد الصحافي مضطرا للعودة، إلى الناضور ليتوجه إلى مطار وجدة، في اتجاه مطار الدارالبيضاء، لذا كلفت قيادة النقابة لجنتها المحلية، بتنسيق زيارات عمل يومية للصحافيين إلى مليلية، قصد إنجاز تحقيقات واستطلاعات حول سياسية الاحتلال، وكانت متيقنة من أن سلطات الاحتلال ستضيق درعا، وستنتقل إلى تنفيذ الجريمة، وهو ما حصل.
ففي يوم 9 نوفمبر، نفذ صبر قوات الاحتلال، التي أوقفت كلا من المصورين الصحافيين رشيد العتابي (عن القناة الأولى) وعبد الرحيم البوحديوي (عن القناة الثانية) داخل قسم الشرطة، واحتجزتهما لأكثر من ساعتين تحت طائلة الاستنطاق البوليسي. ولم تقتصر الإجراءات عليهما، بل طالت باقي أعضاء البعثة، إذ صودرت المعدات التقنية وجوازات السفر الخاصة بالصحافية بديعة الزخنيني (القناة الأولى)، والزميلين عز الدين المريني (جريدة الأحداث المغربية) وسعيد ليوسي (وكالة المغرب العربي للأنباء)، واختتمت هذه الممارسات بفرض حصار أمني كامل على الوفد، ومنعه جماعيا من دخول المدينة.
كانت قيادة النقابة تتابع الوضع عن كثب، فأصدرت بلاغا لفضح هذه الوقائع، كما راسلت كلا من الإتحاد العام للصحافيين العرب، والفيدرالية الدولية للصحافيين، للتعبير عن التضامن مع الصحافيين المغاربة والتنديد بممارسات السلطات الإسبانية، وفي هذا الإطار أعلن رئيس الاتحاد العربي، إبراهيم نافع، عن تضامنه المطلق مع النقابة الوطنية للصحافة المغربية، مستنكرا قرار المنع ومشيرا إلى أنه يعد سلوكاً منافيا لحرية الرأي والتعبير. وبالإضافة إلى أن المرحوم إبراهيم نافع، كان رئيسا لهذا الإتحاد، فقد كان أيضا مديرا عاما لمؤسسة الأهرام المصرية، وهذا ما يعطي لمواقفه صدى مصريا وعربيا واسعا.
غير أن المشكلة الكبرى ستحصل في الفيدرالية الدولية للصحافيين، حيث جرت الأعراف أن يتم التشاور، قبل إصدار أي موقف ضد سلطات بلد معين، مع هيئتها العضوة في الفيدرالية، لذا تم التواصل مع رئيسة فيدرالية جمعيات الصحافة الإسبانية، إلزا كونزاليس، المعروفة بقربها من الأوساط اليمينية، التي رفضت أن يصدر عن الفيدرالية أي موقف بهذا الشأن، وادعت أن لديها معلومات سرية عن الوفد الصحافي المغربي.
أما عضو اللجنة التنفيذية للفيدرالية الدولية، آنذأك، المنتمي للنقابة اليسارية، اللجان العمالية الإسبانية، فقد استعمل كل الأساليب لمنع صدور الموقف، بما في ذلك زعمه أن مليلية غير موجودة، مما اضطر قيادة النقابة إلى إرسال خريطة شمال إفريقيا، للطاقم الإداري في بروكسيل، لتفنيد أكاذيب هذا العضو الإسباني، وأدى حينها، حزم النقابة المغربية، في معالجة هذا الملف، إلى إصدار الفيدرالية لموقف قوي، حيث شدد أمينها العام، أيدن وايت، على أن تقييد حركة الصحافيين بلا مبرر مقنع يمثل خرقا صريحا لحقوقهم، مطالبا السلطات الإسبانية بضرورة فتح تحقيق عاجل ومباشر، بشأن ممارسات الشرطة الإسبانية في مليلية.
ما بين محاولة الخديعة الجغرافية، والتشكيك في مصداقية الصحافيين المغاربة، تنكشف حقيقة المواقف الإسبانية، تجاه المغرب، التي لا يختلف فيها اليمين عن اليسار، الكل منخرط في إستراتيجية التطويق ومحاولة الإضعاف، عملا بوصية إيزابيلا الكاثوليكية، في 23 أكتوبر 1504ميلادية، لابنتها وزوجها، بألا يكفا عن فتح إفريقيا والجهاد في سبيل الإيمان ضد الكفار، وهي الوصية التي تركتها، أسابيع، قبل موتها، بعد أن اشرفت على محاكم التفتيش وطرد المسلمين واليهود من الأندلس، بعد سقوط غرناطة.





















