افتتح رئيس النيابة العامة، يوم الاثنين بمدينة فاس، دورة تكوينية حول «الذكاء الاصطناعي وحقوق الإنسان»، مؤكدا أن توظيف التقنيات الذكية في العدالة الجنائية يتيح فرصا لتطوير البحث والتحري ومكافحة الجريمة، لكنه يطرح في المقابل تحديات قانونية وحقوقية تستدعي التأطير والمراقبة، بما يضمن حماية الحقوق والحريات الأساسية.
وشدد رئيس النيابة العامة، في كلمته الافتتاحية لهذه الدورة المنظمة من طرف رئاسة النيابة العامة، بدعم من مركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن، على ضرورة إخضاع مخرجات الذكاء الاصطناعي للفحص والتحقق والتقييم النقدي، وعدم التعامل معها باعتبارها حقائق نهائية، مع التمييز بين المؤشرات التقنية والأدلة التي يمكن الاستناد إليها قانونا.
وأكد أن الاستعانة بالأنظمة الذكية في العدالة الجنائية تقتضي التأكد من مصدر الأدلة الرقمية وسلامتها ومشروعية الحصول عليها، فضلا عن التحقق من موثوقية الأدوات المستعملة في تحليلها، محذرا من المخاطر المرتبطة بعدم دقة النتائج أو صعوبة تفسيرها، ومن احتمال المساس بالحياة الخاصة والمعطيات الشخصية أو الوقوع في التمييز والإخلال بضمانات المحاكمة العادلة.
كما أبرز أن اعتماد هذه التقنيات يجب ألا يمس بقرينة البراءة أو الحق في الدفاع أو استقلال التقدير القضائي، مشددا على أهمية الإشراف البشري الفعلي، ووضوح المسؤوليات، وتوفير الضمانات اللازمة للمساءلة وتصحيح الأخطاء، حتى تظل التكنولوجيا في خدمة القانون والعدالة، دون أن تحل القرارات الآلية محل التقييم القضائي.
وأشار رئيس النيابة العامة إلى أن حكامة الذكاء الاصطناعي تستند إلى مرجعيات دولية، من بينها توصية منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي لسنة 2021، ومبادئ منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية لسنة 2019، والاتفاقية الإطارية لمجلس أوروبا بشأن الذكاء الاصطناعي وحقوق الإنسان والديمقراطية وسيادة القانون لسنة 2024، إلى جانب أعمال المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان.
وأوضح أن هذه المرجعيات تؤكد ضرورة احترام حقوق الإنسان، وتعزيز الشفافية والمساءلة، ومكافحة التمييز، وضمان الإشراف البشري، واعتماد مقاربة قائمة على تقييم المخاطر وتناسب التدابير مع طبيعة الاستخدام وآثاره المحتملة.
وعلى مستوى عمل النيابة العامة، أكد المسؤول القضائي أن مواكبة التحول الرقمي تشكل توجها استراتيجيا لتطوير الأداء القضائي وتأهيل الموارد البشرية وتحديث أساليب العمل والارتقاء بجودة الخدمات، انسجاما مع المرتكز الثالث للمخطط الاستراتيجي لرئاسة النيابة العامة للفترة 2026-2028، المتعلق باعتماد الرقمنة ودمج التكنولوجيا الحديثة.
وأضاف أن الاستفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي في تحليل كميات كبيرة من المعطيات ودعم الأبحاث المرتبطة بالجرائم السيبرانية والاحتيال المالي وبرمجيات الفدية والجريمة المنظمة تظل مشروطة باحترام الاختصاصات القانونية للنيابة العامة، وضمان قانونية إجراءات البحث والتحري وسلامة الأدلة الرقمية وموثوقيتها.
وشدد، في هذا السياق، على ضرورة التقيد بمقتضيات قانون المسطرة الجنائية رقم 03.23، الذي دخل حيز التنفيذ في 8 دجنبر 2025، باعتباره الإطار القانوني المنظم لإجراءات البحث والتحري وجمع الأدلة وممارسة الدعوى العمومية.
وتندرج هذه الدورة التكوينية، التي يؤطرها خبيران دوليان متخصصان في الذكاء الاصطناعي، ضمن برنامج تعزيز قدرات القضاة في مجال حقوق الإنسان، وتنزيل المخطط الاستراتيجي لرئاسة النيابة العامة للفترة 2026-2028. وتتوزع أشغالها على محاور تشمل المفاهيم الأساسية للذكاء الاصطناعي، وحكامة استخدامه دوليا، وآثاره على الحقوق والحريات، وتطبيقاته في الأبحاث الجنائية وتحليل الأدلة الرقمية ومكافحة الجرائم السيبرانية.
ويروم البرنامج تمكين المسؤولين القضائيين بالنيابة العامة من الاطلاع على التجارب المقارنة والممارسات الفضلى، وتعميق فهمهم للإشكالات التقنية والقانونية والحقوقية المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي في العدالة الجنائية، بما يسهم في تطوير الممارسة القضائية وتعزيز حماية حقوق الإنسان.
وفي ختام كلمته، نوه رئيس النيابة العامة بدعم مركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن ومساهمته في تنفيذ البرنامج، معربا عن أمله في أن تسهم الدورة في تعزيز قدرات المسؤولين القضائيين ومواكبة التحولات الرقمية، بما يخدم العدالة ويصون الحقوق والحريات.





















