في تدبير الدول, السؤال عن المال العام هو أولا سؤال عن المعنى:
ماذا فعلنا بما أنفقناه؟ من استفاد؟ وما الذي تغير في حياة الناس؟
من هذه الزاوية، فتح إسناد تقييم السياسات العمومية إلى الوزارة التي يقودها فوزي لقجع باباً واسعاً للأمل، وللمساءلة أيضاً. فاليد التي تدبر موارد الدولة تصبح مطالبة بتتبع أثرها، من لحظة خروج الدرهم من الخزينة إلى اللحظة التي يظهر فيها أثره في حياة المواطن.
في التعليم، يكون السؤال عمّا تعلمه الطفل، وعن المدرسة التي أعادته إلى مقاعدها بعدما كان مهدداً بالانقطاع. وفي الصحة، يكون السؤال عن المريض الذي وجد العلاج في الوقت المناسب، وعن الأسرة التي لم تعد مضطرة إلى الاستدانة لشراء الدواء. وفي التشغيل، يكون السؤال عن منصب العمل الذي استمر، وعن الأجر الذي وفر لصاحبه حياة كريمة.
بهذا المعنى، يحمل تقييم السياسات العمومية وعداً بتغيير عميق: أن تنتهي مسؤولية الإنفاق عند تحقق غايته، لا عند استكمال وثائق صرفه.
و هذا الوعد يضع أمام فوزي لقجع ملفاً بالغ الحساسية: دعم الصحافة.
والسؤال هنا مباشر: ما الذي يشتريه المواطن، من ماله، حين تدعم الدولة مقاولة صحفية؟
الصحافة تؤدي خدمة عمومية، حتى حين تصدر عن مقاولة خاصة. ولها، بالطبع، أجور وتكاليف وتجهيزات والتزامات، وتحتاج إلى نموذج اقتصادي يضمن استمرارها. غير أن رقم معاملاتها يصف نشاطها التجاري؛ أما قيمتها للمجتمع فتحتاج إلى ميزان أوسع.
والتعليم العمومي يقدم المثال الأوضح. فلا أحد يطالب المدرسة بأن تثبت جدواها برقم معاملات مرتفع. جدواها تظهر في المعرفة التي يكتسبها التلميذ، وفي الفرصة التي تفتحها أمامه، وفي قدرتها على تحرير مستقبله من قيود الفقر
والتهميش.
كذلك الصحافة: تظهر جدواها حين تساعد المواطن على فهم ما يجري، والتمييز بين الخبر والإشاعة، وبين الحجة والادعاء. وتظهر حين تتيح نقاشاً تتعدد فيه الآراء، وتُختبر فيه قرارات المسؤولين، وتُكشف فيه الاختلالات قبل أن تتحول إلى أزمات.
فهل سيُقيَّم فوزي لقجع دعمها على هذا الأساس؟
هل سيبحث لقجع د عما أضافه المال العمومي إلى جودة الأخبار؟ وكم أتاح من تحقيقات ميدانية، ومن ملفات موثقة، ومن عمل صحفي أصلي؟ وهل أسهم في توسيع المعرفة أم في إعادة تدوير الكلام؟ وهل أعان المواطن على تكوين رأيه بحرية، أم تركه وسط “سوق للأخبار” تتكاثر فيه المنابر وتضيق فيها مساحة الفهم؟
هذه أسئلة تزداد إلحاحاً حين يتعلق الأمر بالدفاع عن القضايا الوطنية. فقوة الحضور الإعلامي للمغرب تحتاج إلى مؤسسات تملك المعرفة واللغات والمصداقية، وتعرف كيف تخاطب جمهوراً مختلفاً عنها، وكيف تواجه الادعاء بالوثيقة، وكيف تجعل الحجة الوطنية مسموعة لأنها مقنعة.
ذلك عمل يحتاج إلى استثمار طويل في الصحفي، وفي البحث، وفي التكوين.
وهنا نصل إلى السؤال الذي يكشف حقيقة أي سياسة لدعم القطاع: ماذا وصل إلى المواطن من صحافة أسهم المال العام في تمويلها؟
إن أجر الصحفي وحقوقه الاجتماعية جزء أساسي من هذه المساءلة، كما أن تأهيله وتكوينه وجودة إنتاجه جزء أساسي منها أيضاً. فالمقاولة المستفيدة من الدعم مطالبة بأن تحفظ حقوق العاملين فيها، وأن توفر الكفاءات والوسائل التي تجعل إنتاجها جديراً بثقة الجمهور. ومن حق المواطن أن يعرف كيف انعكس المال الذي دفعه على الخدمة الإعلامية التي يتلقاها.
إن السياسة التي تُعلن خدمة حق المواطن في الإعلام مطالبة بأن ترى المواطن الموجود داخل غرفة التحرير و المادة الصحفية التي ينتجها.
وهنا تصبح مراجعة الدعم اختباراً لجدية تقييم السياسات العمومية. تبدأ المراجعة بأهداف معلنة، ومعايير مفهومة، ونتائج منشورة. وتجمع بين مراقبة الحسابات وفحص الأثر: جودة الإنتاج، وتعدد مصادره، واحترام حقوق الناس، وتصحيح الأخطاء، والاستثمار في الصحفيين، وثقة الجمهور.
وتحتاج هذه العملية إلى استقلال يحميها من أن يتحول تقييم الجودة إلى تقييم لدرجة الرضا عن الخط التحريري. فالصحافة التي تسائل الحكومة بوثائق ومعطيات تؤدي هي أيضاً خدمة للمجتمع، وتمنح المال العمومي واحداً من أهم مبررات إنفاقه.
لقد أغضب ملف الدعم أهل القطاع، وامتد السؤال إلى خارجه. وهذا وحده سبب كافٍ لفتح نقاش مؤسسي واضح، تُعرض فيه الأهداف والنتائج، ويعرف فيه المواطن لماذا مُنح المال، ولمن، وبأي أثر.
السؤال إذن موجه إلى فوزي لقجع و يتجاوز قيمة المبالغ وأسماء المستفيدين إلى صميم المسؤولية التي يحملها:
هل سيُخضع دعم الصحافة لتقييم يكشف أثره في وعي المواطن، وجودة النقاش العام، وقوة الحضور الوطني، وكرامة الصحفي؟
فالدولة تستطيع أن تحصي الدراهم التي أنفقتها على الصحافة. أما الاختبار الحقيقي، فهو أن تعرف كم صنعت بها من صحافة تستحق ثقة الناس.



















