كشف وزير العدل عبد اللطيف وهبي أن الوزارة تمكنت، خلال السنوات الثلاث الماضية، من ضبط نحو 8 ملايين ملف من أصل 160 مليون ملف محفوظ بالمحاكم، في إطار ورش رقمنة الأرشيف القضائي، الذي يستهدف تسهيل الوصول إلى الوثائق وتحديد أماكن حفظها بدقة عبر منصة إلكترونية.
وأوضح وهبي، خلال تقديمه مشروع الميزانية الفرعية لوزارة العدل برسم السنة المالية 2027 أمام لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات بمجلس النواب، اليوم الأربعاء، أن المشروع يقوم على تنظيم الأرشيف القضائي وترقيم الملفات وتحديد أطرافها، بما يتيح للمرتفقين معرفة أماكن وجود ملفاتهم داخل مستودعات المحاكم، دون الحاجة إلى خوض مساطر معقدة أو بذل جهود كبيرة للعثور عليها.
واعتبر المسؤول الحكومي أن الأرشيف القضائي يمثل أحد أكبر التحديات المطروحة أمام الوزارة، بالنظر إلى طبيعة المعطيات التي يتضمنها، والمرتبطة بالحياة الشخصية للمواطنين وأسرارهم وممتلكاتهم وأنسابهم ومواريثهم، مشيرا إلى أن جزءا من هذه الوثائق يوجد في ظروف تخزين تستدعي المعالجة، سواء داخل المستودعات أو بأقبية المحاكم.
وأضاف أن نطاق المشروع لن يقتصر على أرشيف المحاكم، بل سيمتد مستقبلا إلى ملفات الموثقين المتوفين أو المتوقفين عن ممارسة مهامهم، بالنظر إلى ما تتضمنه من وثائق ومعطيات تتعلق بحقوق المواطنين وممتلكاتهم ووصاياهم.
وفي ما يتعلق برقمنة منظومة العدالة، أقر وهبي بوجود اختلالات رافقت المراحل السابقة من هذا الورش، نتيجة اشتغال وزارة العدل والسلطة القضائية، في بعض الفترات، على تطوير برامج رقمية بشكل منفصل، وهو ما أدى إلى تخصيص اعتمادات مالية لمشاريع متشابهة أو متكررة.
وأوضح أن هذا الوضع دفع المؤسستين إلى تكثيف التنسيق والاتفاق على اعتماد مشروع رقمنة شامل لمنظومة العدالة، بميزانية جرى التوافق بشأنها مع وزارة الاقتصاد والمالية، مع معالجة الجوانب المرتبطة بصرف الاعتمادات وأداء مستحقات المؤسسات المكلفة بتنفيذ المشروع.
وأشار وزير العدل إلى أن حساسية المعطيات القضائية، وما تتضمنه من أسماء المتهمين والشهود وأسرار الملفات، أثارت تحفظات بشأن إسناد المشروع إلى القطاع الخاص، قبل التوجه نحو إسناد تنفيذه إلى إحدى مؤسسات الدولة، مع اقتراح إسناد صفة الآمر بالصرف إلى الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، تفاديا للتعقيدات الإدارية المرتبطة بمساطر صرف الاعتمادات داخل الوزارة.
وبخصوص العلاقة بين وزارة العدل والسلطة القضائية، شدد وهبي على ضرورة احترام استقلالية القضاء والنيابة العامة عن الوزارة، مع الإبقاء على التنسيق المؤسساتي، محذرا من أن عدم وضوح الحدود الفاصلة بين اختصاصات الطرفين قد يفضي إلى تداخل الصلاحيات ويؤثر على سير المرفق القضائي.
وأكد أن الوزارة لا تتدخل في تدبير الشؤون المرتبطة بالقضاة، ولا ينبغي لها الاطلاع على تقارير التفتيش الخاصة بهم، لما تتضمنه من معطيات مرتبطة بأسرار الملفات والمداولات، في مقابل اضطلاعها بتفتيش الإدارة القضائية والموظفين العاملين بها.
وفي هذا السياق، كشف وهبي عن اعتماد آلية للتنسيق بين جهازي التفتيش، تقوم على تنظيم زيارات متزامنة إلى المحاكم من طرف مفتشي السلطة القضائية ومفتشي الإدارة القضائية، مع احتفاظ كل جهاز باستقلالية مهامه واختصاصاته، بما يسمح بتحديد المسؤوليات ورصد الاختلالات دون المساس باستقلالية المؤسسات.
كما أبرز أن هذا التوجه رافقه فصل الميزانيات والإدارات المرتبطة بالسلطة القضائية عن وزارة العدل، بحيث أصبحت لكل مؤسسة ميزانيتها الخاصة، في إطار ملاءمة التدبير المالي والإداري مع مبدأ استقلالية الاختصاصات.
وضرب الوزير مثالا بتدبير السيارات المخصصة للمسؤولين القضائيين، معتبرا أن تولي وزير العدل مباشرة تسليم سيارة إلى رئيس محكمة قد يطرح إشكالا مرتبطا باستقلالية هذا الأخير، وهو ما يقتضي التنسيق مع الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، باعتباره الجهة التي تتولى تدبير هذه العملية.
وعلى مستوى تنظيم الخريطة القضائية، أوضح وهبي أن إحداث محكمة جديدة بموجب مرسوم لا يعني بالضرورة شروعها الفوري في العمل، إذ يظل ذلك مرتبطا بتعيين المسؤولين القضائيين، من رؤساء المحاكم إلى المسؤولين عن النيابة العامة، وهي تعيينات تدخل ضمن اختصاصات السلطة القضائية.
وشدد في هذا الإطار على أهمية التنسيق بين المؤسستين، من خلال تولي وزارة العدل إحداث المحاكم وتوفير الشروط المادية والإدارية اللازمة لاشتغالها، مقابل اضطلاع السلطة القضائية بالتعيينات الضرورية، بما يضمن انطلاق عمل المؤسسات القضائية في ظروف ملائمة.
وفي معرض حديثه عن مستقبل الإصلاحات، اعتبر وزير العدل أن الأوراش التشريعية والإدارية والقضائية تحتاج إلى وقت كاف لدخول حيز التنفيذ وظهور نتائجها، بما يسمح بتقييم الاختيارات المعتمدة وإدخال التعديلات الضرورية عند رصد أي اختلالات.
وأكد وهبي أن تدبير قطاع العدالة، شأنه شأن باقي القطاعات الحكومية، يظل عملا بشريا قابلا للخطأ والتصحيح، وهو ما يفرض اعتماد التقييم المستمر ومراجعة الاختيارات كلما أظهرت الممارسة العملية الحاجة إلى ذلك.



















