باحدة عبد الرزاق
في السادس من نونبر من كل سنة، يستحضر المغاربة واحدة من أبرز المحطات في تاريخهم الوطني الحديث، حين أطلق الملك الراحل الحسن الثاني ملحمة المسيرة الخضراء، التي جسدت عبقرية التعبئة الشعبية والسلمية، وجمعت مئات الآلاف من أبناء الوطن حول هدف استكمال الوحدة الترابية واسترجاع الصحراء من الاستعمار الإسباني. وبعد واحد وخمسين عاما، تحل هذه الذكرى والمغرب يعيش مرحلة جديدة من التحولات السياسية والدبلوماسية المرتبطة بقضيته الوطنية الأولى، في ظل القيادة الملكية للملك محمد السادس.
لم تكن المسيرة الخضراء مجرد حدث تاريخي ارتبط بمرحلة معينة، بل شكلت بداية مسار وطني متواصل، انتقل من استرجاع الأرض إلى ترسيخ السيادة، ومن التعبئة الشعبية إلى بناء موقف دبلوماسي يستند إلى الشرعية التاريخية والقانونية، وإلى الحضور المتنامي للمملكة في محيطها الإقليمي والدولي. وإذا كان الملك الراحل الحسن الثاني قد قاد المغاربة في ملحمة سلمية غير مسبوقة، فإن جلالة الملك محمد السادس يواصل هذا المسار بأدوات المرحلة ومتطلباتها، واضعا قضية الوحدة الترابية في صلب التحرك الدبلوماسي والاستراتيجي للمملكة.
لقد شهد ملف الصحراء المغربية في عهد جلالة الملك محمد السادس تحولات مهمة، لم تقتصر على توسيع دائرة التأييد الدولي للموقف المغربي، بل شملت أيضا إعادة طرح طبيعة الحل السياسي الممكن، من خلال مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب سنة 2007، باعتبارها تصورا عمليا لتسوية النزاع في إطار السيادة المغربية. وقد شكل قرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في 31 أكتوبر 2025 محطة بارزة في هذا المسار، بعدما جعل المبادرة المغربية أساسا للمفاوضات الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومتوافق عليه، مع الإقرار بأن الحكم الذاتي الحقيقي يمكن أن يمثل أحد أكثر الحلول قابلية للتطبيق.
ولعل ما يميز المرحلة الراهنة هو أن التحولات لم تعد محصورة في المواقف الدبلوماسية والتصريحات السياسية، بل امتدت إلى النقاش الأممي حول طبيعة التعاطي مع النزاع ومستقبل الآليات التي ظلت تؤطره لعقود. ففي الثلاثين من أكتوبر 2026، عجز مجلس الأمن الدولي عن اعتماد مشروعي قرارين متنافسين بشأن تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة في الصحراء، بعدما استخدمت روسيا حق النقض ضد المشروع الأمريكي، فيما لم يحصل المشروع الروسي على الأصوات التسعة المطلوبة لاعتماده.
وبانتهاء ولاية بعثة المينورسو في الحادي والثلاثين من أكتوبر، دخلت الأمم المتحدة، ابتداء من فاتح نونبر، مرحلة تصفية البعثة، من خلال فريق مصغر يتولى الإشراف على الترتيبات اللوجستية المرتبطة بسحب أصول الدول المساهمة بقوات والتصرف في المعدات التابعة للمنظمة. وهكذا انتهت، من الناحية العملياتية، مهمة بعثة استمر وجودها خمسة وثلاثين عاما، دون أن يعني ذلك انتهاء المسار السياسي الذي تواصل الأمم المتحدة دعمه عبر المبعوث الشخصي للأمين العام ستافان دي ميستورا.
وتكتسي هذه المحطة أهمية خاصة في سياق التحول الذي تعرفه القضية الوطنية، غير أن قراءتها تقتضي التمييز بين انتهاء ولاية المينورسو وبين الحسم النهائي للنزاع، الذي ما زال موضوع مساع سياسية أممية. كما أن تعذر تمديد الولاية لم يكن قرارا أمميا صريحا بتصفية البعثة أو تصويتا على السيادة المغربية، وإنما نتيجة فشل مجلس الأمن في اعتماد أي من المشروعين المعروضين عليه. وهي معطيات لا تنتقص من أهمية المرحلة الجديدة، بل تجعل من الضروري مواصلة التحرك الدبلوماسي المغربي على أساس المكاسب التي تحققت، وبما يخدم تثبيت الموقف الوطني والدفع نحو تسوية سياسية تستجيب لمبادرة الحكم الذاتي.
وفي هذا السياق، جاء بلاغ الديوان الملكي الصادر في الثلاثين من أكتوبر ليقدم قراءة المغرب لهذه التطورات، معتبرا عدم تمديد ولاية المينورسو تطورا مهما وخطوة في اتجاه الإغلاق النهائي لملف الصحراء المغربية داخل الأمم المتحدة، ومبرزا أن المرحلة الجديدة تقتضي الانتقال من منطق تدبير الوضع القائم إلى إحداث تحول عميق في محددات التعاطي مع القضية. وهي رسالة تعكس الرهان المغربي على استثمار الدينامية الدولية الحالية، وتوسيع دائرة الدعم لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الإطار المقترح للحل.
غير أن مسيرة الوحدة الترابية في عهد جلالة الملك محمد السادس لم تتخذ طابعا دبلوماسيا فقط، بل ارتبطت أيضا بتحول تنموي واسع عرفته الأقاليم الجنوبية، من خلال الاستثمار في البنيات التحتية والموانئ والطرق والربط والنقل، وإطلاق مشاريع اقتصادية واجتماعية تستهدف تحسين ظروف عيش الساكنة وتعزيز جاذبية المنطقة. لقد أصبح البعد التنموي جزءا أساسيا من مقاربة المغرب لقضيته الوطنية، بما يجعل الأقاليم الجنوبية فضاء للإنتاج والاستثمار والانفتاح على العمق الإفريقي، وليس مجرد مجال جغرافي في قلب نزاع إقليمي.
ومن هنا، فإن الاحتفاء بالذكرى الحادية والخمسين للمسيرة الخضراء لا ينبغي أن يقتصر على استعادة صور المتطوعين وهم يحملون الأعلام الوطنية والمصاحف، ولا على استحضار لحظة تاريخية صنعت منعطفا في مسار استكمال الاستقلال، بل يتعين أن يكون مناسبة لقراءة ما تحقق وما ينتظر المغرب في المرحلة المقبلة. فالتاريخ الذي صنعه جيل المسيرة يضع أمام الأجيال الحالية مسؤولية مواصلة البناء، وصيانة المكتسبات، ومواكبة التحولات الدولية بوعي سياسي ودبلوماسي يستحضر تعقيدات الملف ورهاناته.
من جلالة المغفور له الحسن الثاني إلى جلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، تتواصل مسيرة الوحدة الترابية في سياقين مختلفين وأدوات متجددة، لكن ضمن امتداد تاريخي واحد عنوانه الدفاع عن وحدة المملكة. وإذا كانت المسيرة الخضراء قد جسدت إرادة المغاربة في استرجاع أرضهم، فإن تحدي المرحلة الراهنة يتمثل في تحويل المكاسب الدبلوماسية والتنموية إلى تسوية سياسية نهائية، وترسيخ واقع الاستقرار والاندماج والتنمية في الأقاليم الجنوبية.
تلك هي دلالة المسيرة الخضراء بعد واحد وخمسين عاما: ليست مجرد ذكرى نستعيدها، بل تاريخ وطني متجدد، ومسؤولية جماعية تجاه المستقبل، ومسار تتواصل محطاته بقيادة جلالة الملك، وفاء لروح الملحمة التي أطلقها الملك الراحل الحسن الثاني طيب الله ثراه.



















