أم هاشم
ما الذي يجعل بعض الأصوات الانفصالية عاجزة عن الحديث عن الريف دون استحضار المخزن؟ ولماذا يبدو أن بعض الخطابات السياسية ما تزال أسيرة صراعات تعود إلى أكثر من قرن، وكأن الزمن توقف عند بدايات القرن العشرين؟
في كل مرة يعود فيها اسم محمد بن عبد الكريم الخطابي إلى الواجهة، يتم تقديمه باعتباره رمزاً للمقاومة فقط، بينما يتم إغفال صفحات أخرى من تاريخه الشخصي والعائلي، صفحات تكشفها وثائق إسبانية رسمية مرفوع عنها طابع السرية، جمعها كتاب «محمد بن عبد الكريم الخطابي… الأسطورة والحقيقة»، وهي وثائق تضيء جوانب نادراً ما تحضر في النقاش العمومي.
هذه الوثائق لا تتحدث عن حرب أنوال ولا عن جمهورية الريف، بل عن مرحلة سابقة، كان فيها عبد الكريم الخطابي الأب وابنه محمد يحظيان بعلاقات وثيقة مع سلطات الاحتلال الإسباني.
ففي سنة 1905 منحت سلطات الاحتلال الإسباني لعبد الكريم الأب امتيازات خاصة لعبور المنطقة الحدودية مصحوباً بالسلاح دون إخضاعه لإجراءات التسجيل المفروضة على غيره. كما سُمح له ولمرافقيه بالمرور بأسلحتهم وفق تسهيلات استثنائية وثقتها المراسلات الرسمية الإسبانية.
وفي سنة 1914 طلب محمد بن عبد الكريم الخطابي ترخيصاً من السلطات الإسبانية لاقتناء مسدس من مدينة مالقة، وبرر الطلب بكونه يحتاج إلى وسيلة للدفاع عن نفسه أثناء تنقلاته بين الحسيمة ومليلية والمهام التي كان يكلف بها.
لكن الامتيازات لم تتوقف عند السلاح.
فالوثائق نفسها تكشف أن عبد الكريم الأب وابنه سعيا أكثر من مرة للحصول على الجنسية الإسبانية. كما تؤكد أن محمد بن عبد الكريم حصل سنة 1912 على وسام «فارس إيزابيلا الكاثوليكية» بأمر ملكي إسباني، قبل أن يحصل هو ووالده سنة 1913 على أوسمة الاستحقاق العسكري الإسباني مع تعويضات مالية شهرية نظير ما وصفته الوثائق الإسبانية بالخدمات المقدمة لإسبانيا ومصالحها السياسية داخل الريف.
وتشير الوثائق كذلك إلى أن الأب والابن كانا يتلقيان رواتب وتعويضات من الإدارة الإسبانية، وأن مسؤولين عسكريين أوصوا أكثر من مرة برفع قيمة تلك الرواتب بالنظر إلى حجم المهام التي كانا يؤديانها لفائدة سلطات الاحتلال.
غير أن أكثر ما يلفت الانتباه في هذه الوثائق ليس الأوسمة ولا الرواتب، بل العلاقة المتوترة التي كانت تربط عبد الكريم الأب بالمخزن المغربي.
ففي أكثر من مناسبة، لجأ الرجل إلى السلطات الإسبانية طالباً الحماية من المخزن، أو شاكياً ما اعتبره تضييقاً من السلطات المغربية. وفي إحدى المراسلات التي أوردها الكتاب، تصف الإدارة الإسبانية عبد الكريم بأنه «الوفي الخادم لإسبانيا»، وتؤكد استعدادها للتدخل لحمايته بسبب الخدمات التي قدمها لها.
وفي تقرير إسباني آخر يعود إلى سنة 1915، ورد ما يلي:
«المغربي محمد بن عبد الكريم من بني ورياغل يتعرض لإزعاج من طرف السلطات الشريفة التي لا تجهل أنه حمي إسبانيا».
أما في رسالة رفعها عبد الكريم الأب إلى الجنرال الإسباني خوردانا سنة 1912، فقد اشتكى مما اعتبره خسائر لحقت به بسبب دعمه لإسبانيا، قائلاً:
«فقدنا ممتلكاتنا وأموالنا وذلك لمساندة ومتابعة قضيتكم، وكانت مهمتنا مفيدة للأمة الإسبانية… لقد تضررنا كثيراً واليوم نعاني من الحاجة وضيق العيش».
وفي رسالة أخرى، طلب من السلطات الإسبانية عدم التخلي عنه وعن أسرته، مذكراً إياها بأنه اشتغل معها «بحميمية وإخلاص» لسنوات طويلة.
هذه الوثائق لا تلغي حقيقة أن محمد بن عبد الكريم الخطابي سيقود لاحقاً واحدة من أشهر حركات المقاومة ضد الاستعمار الإسباني والفرنسي، لكنها تكشف أن مساره السياسي لم يكن خطاً مستقيماً، وأن هناك مرحلة كاملة من العلاقات والامتيازات والتعاون السياسي سبقت مرحلة المواجهة المسلحة.
المثير أن بعض الأصوات الانفصالية المعاصرة لا تستحضر من هذا التاريخ سوى الجزء الذي يخدم خطابها السياسي. فهي تتحدث باستمرار عن الصراع مع المخزن، لكنها تتجاهل الوثائق التي تكشف أن الشكاوى من المخزن وطلب الحماية من الأجنبي لم تكن مرتبطة بمشروع انفصالي، بل بسياقات سياسية وقبلية واستعمارية معقدة عاشتها المنطقة قبل أكثر من قرن.
لقد ورثت هذه الأصوات من بعض صفحات التاريخ خصومة مع الدولة، لكنها لم ترث تعقيد التاريخ نفسه. أخذت من الذاكرة ما يخدم السردية التي تريد بناءها، وتركت ما عدا ذلك في الظل.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس ماذا كان موقف الخطابي من المخزن سنة 1912 أو سنة 1915، بل لماذا ما زالت بعض التيارات الانفصالية تعيش على استدعاء تلك الخصومات التاريخية وكأنها حدثت بالأمس؟
إن التاريخ يُقرأ كاملاً أو لا يُقرأ. أما انتقاء الوثائق التي تخدم موقفاً سياسياً مسبقاً، فليس كتابة للتاريخ، بل صناعة لأسطورة جديدة.
وربما لهذا السبب بالذات ما تزال عقدة المخزن حاضرة بقوة في ذاكرة الانفصاليين، أكثر مما هي حاضرة في ذاكرة التاريخ نفسه.





















