كارل بنديكت فراي : أستاذ مشارِك الذكاء الاصطناعي والعمل في معهد أكسفورد للإنترنت ومدير برنامج مستقبل العمل في كلية أكسفورد مارتن، أحدث مؤلفاته كتاب بعنوان “كيف ينتهي التقدم: التكنولوجيا، والإبداع، ومصير الأمم” (دار نشر جامعة برينستون، 2025).
في أواخر أبريل/نيسان، قضت محكمة صينية بعدم تمكين شركة متخصصة في الذكاء الاصطناعي من فصل أحد موظفيها قانونيا لمجرد أن وظيفته أصبحت تؤدى آليا. بعد ذلك بفترة وجيزة، ذَكَرَت بعض تقارير أن هيئات تنظيمية صينية علقت إصدار تراخيص جديدة للسيارات الذاتية القيادة على المستوى الوطني في الاستجابة لعطل سيارات الأجرة الآلية جماعيا في ووهان، وهي المدينة التي دأب سائقو سيارات الأجرة فيها على تقديم الالتماسات إلى السلطات لإبطاء وتيرة نشر هذه التكنولوجيا. في الوقت ذاته، واصلت وسائل الإعلام الحكومية الصينية انتقاد الشركات التي تفكر في الاستغناء عن العمالة بسبب الذكاء الاصطناعي، بحجة التزامها بواجب حماية موظفيها.
تشير هذه الأحداث مجتمعة إلى أن الصين بدأت تكبح عملية نشر الذكاء الاصطناعي لديها. لكن ما الذي قد يدفع دولة تملك مثل هذه القدرة القسرية والرغبة القوية في الهيمنة على الجبهة التكنولوجية إلى اختيار التحلي بضبط النفس؟ ففي النهاية، يبدو أن الصين تتمتع بميزة بنيوية في سباق الذكاء الاصطناعي. الواقع أن الدولة الاستبدادية من الممكن أن تعمل كآلة نشر، تتجاوز مقاومة العمال، وتقمع الاحتجاجات، وتُبقي العجلات دائرة، في حين تعمل الديمقراطيات الليبرالية كآلات تداولية يجب أن تضع في الحسبان الانتخابات، والنقابات، وحقوق التجمع، وغير ذلك من القيود المؤسسية.
لكن نقطة ضعف جوهرية تعيب الصين: فهي تفتقر إلى شبكة أمان اجتماعي قوية. صحيح أن الإنفاق الاجتماعي المرتفع في الغرب ــ على إعانات البطالة، والرعاية الصحية العامة، وبرامج إعادة التدريب ــ يُصوَّر عادة على أنه عائق يحول دون الإبداع، لأنه يستلزم فرض ضرائب على ذوي الدخل المرتفع وتحويل الثروة من قطاعات منتجة إلى قطاعات معتمدة على الدعم. لكن السجل التاريخي يُظهر أن التأمين الاجتماعي من الممكن أن يعمل على تسريع عملية نشر التكنولوجيات الجديدة. فعندما يكون بمقدور أي دولة أن تَـعِد بقدر معقول من المصداقية بأن الاستغناء عن العمال لن يعني الفقر المدقع، يزداد احتمال قبول العمال وممثليهم للتغيير التكنولوجي.
بطبيعة الحال، اختارت دول عديدة القمع بدلا من ذلك، فمهدت الطريق للآلات بالقوة. في عام 1812، استخدمت بريطانيا الجيش ضد اللوديين (حركة عمالية كانت تخرب الآلات احتجاجا على تسريح العمال) وجعلت تدمير الآلات جريمة يعاقب عليها بالإعدام. واعتمدت عملية التصنيع في كوريا الجنوبية وتايوان جزئيا على قمع النقابات المستقلة. لكن استمرار القمع يكون أسهل عندما يقترن بوعد جدير بالثقة بالتقدم. استطاعت كوريا الجنوبية وتايوان قمع النقابات العمالية لأنهما كانتا توفران أيضا الوظائف في المصانع، والتوسع الحضري، وارتفاع مستويات المعيشة. طُلب من العمال تحمل الأجور المنخفضة اليوم مقابل حياة أكثر رخاء غدا.
لا يسمح استبدال الذكاء الاصطناعي بالعمال بمثل هذه المقايضة في الصين. فهو يدخل المكاتب، والخدمات، والمنصات، ويهدد العمال الشباب المتعلمين بقدر ما يهدد عمال المصانع، ويأتي في وقت حيث أصبح الوفاء بوعد الصين بفرص متزايدة الضخامة أصعب. يتباطأ النمو الصيني، وتتلاشى الفرص المتاحة لعدد كبير من الشباب لامتلاك العقارات، وتنعكس مخاوف سوق العمل في ارتفاع معدلات الادخار الاحترازي والحنين إلى سنوات الازدهار.
يبدو أن السلطات الصينية تدرك هذه المشكلة. ولكن حتى لو فهمت أن إزاحة العمالة بفِعل التكنولوجيا يجب أن تُدار سياسيا، فإن افتقار الصين إلى احتياطي مؤسسي قوي يحد من خياراتها. فالإنفاق الاجتماعي العام لا يتجاوز 10% من الناتج المحلي الإجمالي، أي أقل من نصف المتوسط في بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD). ولا يزال مئات الملايين من المهاجرين داخليا يعانون من التمييز بسبب نظام الهوكو، ولا تزال الأسر الصينية تتحمل نصيبا كبيرا من تكاليف الرعاية الصحية من جيبها الخاص.
وكما أوضح الاقتصادي باري نوتون، فقد أنشأت الصين جزءا كبيرا من الإطار اللازم لنظام رعاية اجتماعية شامل، لكن تدفقات التحويلات المالية لا تزال متواضعة، حيث تعوقها الفجوة بين المناطق الحضرية والريفية والشيخوخة السكانية. ونظام التأمين ضد البطالة في الصين مُـصَمَّم لمواجهة البطالة الدورية وليس البنيوية، ولا يحصل على الإعانات سوى نسبة صغيرة نسبيا من العاطلين عن العمل.
الواقع أن الصين دفعت ثمن فشل عمليات نشر التكنولوجيا من قبل. فعلى مدار قرون من الزمن، قاومت النقابات الحرفية الميكنة لحماية أعضائها، الأمر الذي أدى إلى تأخير التصنيع في الصين لمدة قرنين. والخطر اليوم مشابه. ذلك أن الاحتياج السياسي في الأمد القريب لتجنب الارتباكات قد يحرم المجتمع الصيني من فوائد أحدث التكنولوجيات في الأمد البعيد.
على النقيض من ذلك، تمكنت بريطانيا من الحفاظ على الميكنة أثناء الثورة الصناعية، ويرجع ذلك جزئيا إلى أنها كانت تتمتع بنظام رعاية اجتماعية لا مثيل له في أي مكان في أوروبا. بموجب قانون الفقراء القديم، كانت الأبرشيات، اعتبارا من عام 1601 فصاعدا، ملزمة قانونا بتقديم الإغاثة للفقراء القادرين على العمل. ونتيجة لهذا، كانت معظم الأبرشيات تدفع إعانات نقدية للعاطلين عن العمل أو ذوي الدخل المنخفض، وتغطي الإيجارات، وتوفر الخبز والوقود، وتتكفل بتكاليف الرعاية الطبية.
وقد أثمرت هذه التدابير. فقد توصل بحث حديث أجراه الاقتصاديان أفنر جريف ومورات إيجون إلى أن المقاطعات الإنجليزية التي كانت توفر إعانات أعلى للفقراء شهدت عددا أقل من أعمال الشغب مع تقدم التصنيع الاقتصادي. ورغم أن قانون الفقراء كان ينطوي على عيوب عديدة، فإن عواقبه السياسية كانت واضحة: فقد عمل على امتصاص الصدمات فساعد في الحفاظ على استمرار عمل المصانع. بعيدا عن إعاقة نشر التكنولوجيا، قد تكون دولة الرفاهة مكملا أساسيا. ومع ذلك، يخاطر الغرب بإهدار هذه الميزة. في الولايات المتحدة، أصبح التأمين ضد البطالة يغطي نسبة متناقصة من العاطلين عن العمل، في وقت حيث بدأ الذكاء الاصطناعي يؤثر على سوق العمل.
بطبيعة الحال، تخلق بعض أشكال الحماية الاجتماعية تحديات خاصة. تواجه أجزاء كثيرة من أوروبا خطر تأخير نشر الذكاء الاصطناعي بسبب وجود قوانين سارية تحمي وظائف بعينها بدلا من تأمين العمال خلال فترات الانتقال. عندما طالب مجلس عمال ألماني صاحب عمل بمنع الموظفين من استخدام ChatGPT، رفضت محكمة العمل في هامبورج الالتماس، لكن الشركة اضطرت رغم ذلك إلى رفع دعوى قضائية بشأن هذه المسألة. مثل هذه الشكوك تجعل التجريب عملية مكلفة. عندما أعادت شركة SAP هيكلة عملياتها حول الذكاء الاصطناعي في عام 2024، فاستغنت عن نحو 8000 وظيفة، اضطرت إلى تخصيص مبلغ 2.2 مليار يورو (2.5 مليار دولار أميركي) لعمليات الشراء الطوعي والتقاعد المبكر ــ وهو ما يعادل، وفقا لإحدى التقديرات، أكثر من ثلاث سنوات من الأجر لكل عامل متأثر في أوروبا.
يُعد نموذج الأمان المرن في الدنمارك هو الأقرب إلى إيجاد التوازن الصحيح: حيث يُـعَوَّض عن الحماية الأضعف للعمال عن طريق إعانات بطالة سخية وسياسات سوق العمل النشطة المكثفة، بما في ذلك إعادة التدريب وإعادة التوظيف. وبوسع الشركات أن تنشر الذكاء الاصطناعي بأمان، وهي تعلم أن العمال مؤمن عليهم وأن الاقتصاد السياسي في عموم الأمر سيظل مستقرا.
لا يقتصر السباق بين الولايات المتحدة والصين على الرقائق الإلكترونية، والحوسبة، ومعلمات النماذج، بل يمتد أيضا إلى القدرات المؤسسية. يتعين على الصين الآن أن تعمل على بناء دولة الرفاهة التي طالما تجنبت العمل على بنائها ــ وذلك في وقت يتسم بتباطؤ النمو وتدهور التركيبة السكانية. تنطلق الولايات المتحدة وأوروبا من موقع أفضل، ولكن لا يزال أمامهما طريق طويل لتحديث دول الرفاهة وإزالة نقاط الرفض قبل أن تصبح إزاحة العمالة أمرا لا يمكن احتوائه سياسيا.
القمع هو ما تلجأ إليه الدول عندما لا يكون لديها خيار آخر. لن تفوز بثورة الذكاء الاصطناعي الدولة الأكثر استعدادا لإبعاد العمال قسرا، بل تلك التي تجعلهم آمنين بالقدر الذي يسمح للآلات بالدخول.





















