قرأت، كما قرأ غيري من المبتلين بمتابعة هموم مهنة المتاعب، ذلك البلاغ “العرمرم” الذي دبجته النقابة الوطنية للصحافة المغربية، برئاسة عبد الكبير اخشيشن، تتباكى فيه بحرقة مصطنعة على تأخر أجور الصحافيين لشهر أبريل. بلاغ يقطر حزنا وأسى، ومحشو عن آخره بمصطلحات رنانة من قبيل “الهشاشة الاجتماعية” و”ضرب الكرامة” و”خرق قانون الشغل”، قبل أن تُتوج النقابة هذه المسرحية الهزلية بدعوة الزملاء إلى النضال العظيم المتمثل في.. حمل الشارات الحمراء.
سبحان مبدل الأحوال! متى كانت قطع القماش الحمراء والبيانات الإنشائية تطعم أبناء الصحافيين وتؤدي فواتير مائهم وكهربائهم وتنقذهم من غضبة أصحاب الشقق المكتراة؟ إن من يقرأ سطور هذا البلاغ سيعتقد واهما أن قادة النقابة لا يغمض لهم جفن حرصا على جيوب العاملين في القطاع، لكن الحقيقة المرة التي يعلمها القاصي والداني في كواليس المهنة، هي أننا أمام كيان يمارس “التقية” بأبشع تجلياتها. ففي العلن يذرفون دموع التماسيح ويرتدون مسوح الرهبان دفاعا عن الأجراء، وفي السر والغرف المغلقة يسعون بكل ما أوتوا من دهاء لعرقلة أي إصلاح حقيقي وجذري من شأنه أن ينقذ المقاولات الصحفية وينعكس إيجابا على الوضعية المادية للصحافي.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم بحدة وتتجلى إجابته في الميدان: من يعرقل قطاع الصحافة حقا؟ بينما تدبج نقابة اخشيشن بلاغات التهديد المبطن، نعيش اليوم ساعات قصوى وحاسمة، تحبس فيها الأنفاس، حيث تقاتل الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين بشراسة، في سباق محموم مع الزمن، وتفاوض ليل نهار من أجل إيجاد حل نهائي لإشكالية الأجور. ليس هذا فحسب، بل إنها تواكب خطوة بخطوة تلك المقاولات التي كانت إلى الأمس القريب مصنفة في خانة “الدعم الجزافي” الهزيل، وتأخذ بيدها حتى تمكنت من الارتقاء والوصول إلى معايير دعم الأجور، وكل هذا الجهد المضني يصب في نهاية المطاف في مصلحة الصحافي أولا وأخيرا، وليس في مصلحة الحسابات الضيقة.
ولنقلها بصراحة جارحة؛ في الوقت الذي يوزع فيه البعض الخرق الحمراء، يوجد إدريس شحتان بين مطرقة ضغط الوقت وسندان تأطير المقاولات الصحفية، يسابق عقارب الساعة لإيجاد حل شامل ومنصف للجميع. والمفارقة العجيبة، والمضحكة المبكية في آن واحد، هي أن هذا الحل الذي يستميت شحتان والناشرون في الدفاع عنه اليوم، سينتفع منه غدا عبد الكبير اخشيشن نفسه، وسينتفع منه أتباعه وحواريوه، بل وستمتلئ به جيوب حتى أولئك الذين لا يحبون إدريس شحتان ويناصبونه العداء مجانا من وراء الشاشات.
إن الصحافي المغربي اليوم أذكى بكثير من أن تنطلي عليه حيلة البكائيات. إنه يحتاج إلى من يجلب له حقه بقوة الاقتراح والتفاوض المؤسساتي، لا بمن يتاجر بأزمته ليلمع صورته الباهتة. كان حريا بالنقابة أن تكون شريكا ناضجا في هذا الورش الإصلاحي المفتوح، بدل ممارسة التقية والركوب على أمواج معاناة الزملاء لضرب مجهودات جمعية الناشرين. كفى من المسرحيات السمجة، فمسرحيات التهديد والوعيد أكل عليها الدهر وشرب.. وفي النهاية، وأمام مشهد “التقية” هذا الذي تختلط فيه الأوراق ويُطعن فيه من يشتغل في الميدان من الخلف، لم نعد نعرف حقا من هم “الفراقشية” الحقيقيون الذين يتربصون بقطاع الصحافة ويسرقون أحلام العاملين فيه!





















