يستعد المغرب لإدخال تغييرات مهمة على منظومة الشغل، من خلال إدراج العمل عن بُعد بشكل صريح ضمن مدونة الشغل، بعدما ظل هذا النمط من العمل لسنوات خارج إطار قانوني واضح.
وتأتي هذه الخطوة ضمن مشروع القانون 03-26، الذي صادق عليه المجلس الوزاري في 14 ماي 2026، مع برمجة دخول مقتضياته حيز التنفيذ بشكل تدريجي ابتداء من فاتح يناير 2027، في انتظار استكمال المسطرة التشريعية والتصويت عليه داخل البرلمان خلال خريف 2026.
وتبرز أهمية الإصلاح في ظل الانتشار المتزايد للعمل عن بُعد في المغرب، خصوصاً في قطاعات الخدمات والمالية وتكنولوجيا المعلومات ومراكز التعهيد. وتشير معطيات دراسة أنجزتها منصة «Rekrute» إلى أن 90% من المغاربة يرغبون في إدماج هذا النمط ضمن حياتهم المهنية، بينما كان نحو 280 ألف أجير يمارسون العمل عن بُعد بشكل كلي أو جزئي خلال سنة 2026.
ورغم هذا الانتشار، فإن مدونة الشغل الصادرة سنة 2003 لا تتضمن مقتضيات صريحة تستعمل مفهوم «العمل عن بُعد». وتوجد بعض المقتضيات المتعلقة بالأجراء الذين يشتغلون من المنزل، لكنها لا تعكس بشكل كامل طبيعة العمل الرقمي الحديث، الذي يتيح للموظف أداء مهامه عن بُعد والولوج إلى أنظمة ومعلومات الشركة خارج مقرها.
ويطرح هذا الفراغ القانوني مجموعة من الإشكالات، خصوصاً فيما يتعلق بساعات العمل، والعمل الإضافي، ومراقبة أوقات الاتصال، والحق في الفصل بين الحياة المهنية والشخصية.
وتنص مدونة الشغل حالياً على مدة عمل عادية تبلغ 44 ساعة أسبوعياً أو 2288 ساعة سنوياً، مع تحديد زيادات خاصة بالساعات الإضافية. غير أن تطبيق هذه القواعد على العمل عن بُعد يطرح تحديات عملية، خاصة عندما لا تكون ساعات الاتصال والعمل محددة أو قابلة للتتبع بشكل موضوعي.
وتكشف المعطيات المتوفرة أن 61% من العاملين عن بُعد يجدون صعوبة في الفصل بين حياتهم المهنية والشخصية، فيما يصرح 42% منهم بوجود ضغط كبير بسبب حجم العمل.
وفي هذا السياق، يتجه الإصلاح المرتقب إلى وضع إطار قانوني أكثر وضوحاً لهذه الممارسة، بالتوازي مع إدخال تعديلات أخرى على منظومة الشغل، من بينها توسيع بعض الحقوق المرتبطة بالعطل، على أن تدخل بعض المقتضيات المتعلقة بعمال المنصات الرقمية حيز التنفيذ بشكل تدريجي إلى غاية أبريل 2027.
وكان المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي قد نبه بدوره إلى الفراغ القانوني المرتبط بالعمل عن بُعد في تقرير صادر في يونيو 2025، ما يعكس الحاجة المتزايدة إلى مواكبة التشريع المغربي للتحولات التي يعرفها سوق الشغل.
ويبقى التحدي الأساسي أمام الإصلاح هو الانتقال من مجرد الاعتراف القانوني بالعمل عن بُعد إلى وضع قواعد واضحة تحدد حقوق وواجبات الأجير والمشغل، وتنظم ساعات العمل والمراقبة والحق في الانفصال، بما يضمن حماية العامل دون الإضرار بمرونة هذا النمط الجديد من العمل.





















