بقلم نجيبة جلال
في فرنسا، كانت عودة برنامج L’Heure de vérité كافية لإشعال حربٍ إعلامية كاملة. ليس بسبب مضمون البرنامج، ولا بسبب سقوط مهني أو فضيحة أخلاقية، بل فقط لأن صحافية اسمها Eugénie Bastié تحمل أفكارا محافظة وسيادية، وجدت نفسها داخل مشروع إعلامي على قناة عمومية.
فجأة تحولت المرأة إلى “خطر إيديولوجي”.
وأصبح المطلوب ليس مناقشة أفكارها، بل التشكيك في شرعيتها أصلا داخل المجال الإعلامي.
هذه ليست مجرد أزمة فرنسية.
إنها صورة عن العالم كله.
العالم الذي كان يتحدث عن حرية التعبير، بدأ يتحول تدريجيا إلى عالمٍ يخاف من الرأي المختلف.
الإعلام الذي وُلد ليكون فضاءً للتناقض، أصبح في كثير من الأحيان مجرد “منطقة آمنة” للأفكار المسموح بها.
لكن الخطأ الكبير هو اختزال هذه الأزمة في صراع بين اليمين واليسار فقط.
المشكل اليوم أعمق بكثير.
هناك أرثوذكسية جديدة تحكم المجال الإعلامي العالمي:
أرثوذكسية المال،
أرثوذكسية اللوبيات،
أرثوذكسية الشركات العملاقة،
وأحيانا حتى أرثوذكسية الخوارزميات والترند.
هناك مواضيع يمكنك أن تتحدث عنها بحرية كاملة، ومواضيع أخرى يكفي الاقتراب منها حتى تبدأ حملات التشويه والعزل والإعدام المعنوي.
الجميع يتحدث عن التعددية… لكن الجميع يريد تعددية تشبهه فقط.
والأخطر أن هذا المرض لم يعد غربيا فقط.
المغرب أيضا دخل هذه المنطقة الرمادية الخطيرة.
لسنوات طويلة كان النقاش حول الإعلام المغربي يتمحور حول الحرية والهامش والسقف السياسي.
أما اليوم فالأزمة أصبحت أكثر تعقيدا.
نحن أمام مشهد إعلامي يعيش اختناقا حقيقيا، لكن ليس دائما بسبب السلطة كما يتوهم البعض، بل أحيانا بسبب الإعلام نفسه.
جزء من الإعلام المغربي سقط في الشعبوية الرقمية.
جزء آخر تحول إلى مقاولات تبحث فقط عن البقاء والإشهار والولاءات.
وجزء ثالث دخل منطق الاصطفاف الحاد: إما معنا بالكامل أو ضدنا بالكامل.
اختفت المساحات الوسطى.
اختفى النقاش الهادئ.
اختفى التعقيد.
اليوم يكفي أن تختلف مع شخص حتى تُصنف فورا داخل معسكر كامل.
إذا انتقدت خطابا شعبويا فأنت “مخزني”.
وإذا دافعت عن مؤسسات الدولة فأنت “مطبل”.
وإذا انتقدت بعض الاختلالات فأنت “عدمي” أو “خائن”.
وإذا رفضت الانخراط في القطيع الرقمي تصبح هدفا لحملات التشهير.
وهنا، اسمحوا لي أن أُهمس في الأذن قليلا:
في المغرب، الأمر أحيانا أخطر مما يقع في الغرب نفسه.
هناك من لا يريد فقط إسكاتك معنويا أو مهاجمتك رقميا، بل قد يحاول خنقك مهنيا وقانونيا أيضا… ليس الدولة بالضرورة، بل أحيانا بعض أبناء المهنة أنفسهم.
زملاء يفترض أنهم يدافعون عن حرية التعبير، لكنهم لا يترددون في استعمال أدوات الضغط، والشكايات، والمحاكم، ومحاولات الاستنزاف، فقط لأن صوتا ما خرج عن “القطيع” أو رفض الانحناء لشبكات النفوذ الصغيرة داخل القطاع.
وهنا تتحول الأزمة من خلاف فكري إلى معركة وجود.
الخطير في المغرب أن هذه الأزمة تأتي في لحظة دقيقة جدا.
المملكة تتحرك في ملفات استراتيجية كبرى:
الرهانات الجيوسياسية،
قضية الصحراء،
الأمن الطاقي،
السيادة الرقمية،
الاستثمارات الكبرى،
والتحولات الأمنية والإقليمية.
وفي لحظة تحتاج فيها الدولة إلى إعلام قوي وذكي وقادر على إنتاج نقاش وطني عميق، نجد أنفسنا أحيانا أمام ضجيج رقمي، وتفاهة منظمة، وحروب “لايفات”، ومنصات تبني جمهورها على الكراهية والفضيحة والانفعال.
بعض من يسمون أنفسهم “إعلاما بديلا” لا يقدمون بديلا حقيقيا، بل يقدمون فقط الغضب الخام.
وبعض الإعلام التقليدي فقد بدوره جزءا من روحه، لأنه أصبح خائفا من المغامرة الفكرية، أو غارقا في الحسابات الاقتصادية والسياسية.
وهكذا يصبح المواطن المغربي محاصرا بين إعلام يصرخ طوال الوقت، وإعلام يخاف طوال الوقت.
المشكل أن الدولة نفسها قد تدفع ثمن هذا الوضع مستقبلا.
لأن الدول لا تُستهدف فقط عسكريا أو اقتصاديا، بل أيضا عبر تفكيك المجال العمومي وتحويله إلى ساحة فوضى وفقدان ثقة دائم.
حين يختفي الإعلام المهني القادر على خلق التوازن، يملأ الفراغ أصحاب المؤامرات، وتجار الغضب، والذباب الرقمي، ومنصات التلاعب النفسي.
وهنا تصبح “حروب السردية” أخطر من كثير من الأزمات التقليدية.
المغرب اليوم لا يحتاج فقط إلى دعم الصحافة ماديا.
بل يحتاج إلى إعادة بناء فكرة الإعلام نفسها:
إعلام قوي لكن مسؤول،
حر لكن مهني،
وطني لكن غير دعائي،
متعدد لكن غير فوضوي.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع هو أن يفقد القدرة على سماع نفسه بهدوء.
وكأن المؤرخ الفرنسي Marc Bloch كان يقرأ زمننا الحالي حين أكد أن التاريخ لا يمكن فهمه إلا بتنويع المقاربات، وتعدد المصادر، وتوسيع زوايا التحليل.
فالحقيقة لا تولد من الصوت الواحد، بل من احتكاك القراءات المختلفة وتصارع التأويلات داخل مجتمع ما يزال قادرا على التفكير لا فقط على الصراخ.
لكن الحقيقة اليوم أصبحت تخيف الجميع.
السياسي،
والإعلامي،
واللوبي،
والمنصة،
وحتى الجمهور نفسه.
ولهذا تتحول التعددية شيئا فشيئا إلى مجرد واجهة جميلة… تخفي وراءها مجتمعات تتوقف تدريجيا عن الحوار، وتبدأ في الصراخ فقط.





















