في مكان ما من هذا الفضاء الرقمي، يجلس أبو الهول.
ليس ذاك الذي نعرفه في كتب التاريخ، بل نسخة حديثة أكثر حيوية وأشد ضجيجاً. أبو الهول الجديد لا يحرس الأهرامات، بل يحرس موقعاً إلكترونياً. ولا يراقب الصحراء، بل يراقب عدد النقرات والمشاهدات والتعليقات، ثم يخرج على الناس مقتنعاً بأن كل ذلك قد منحه رتبة أعلى من رتبة المواطنين وأقرب إلى رتبة الأنبياء.
المشكلة أن الرجل لم يعد يملك موقعاً إلكترونياً فقط، بل يبدو أنه يعتقد أن الموقع أصبح قارة مستقلة، وأنه رئيسها الأبدي، وقاضيها الأعلى، وناطقها الرسمي، ومؤرخها الوحيد، ووزارة حقيقتها الوحيدة.
كل صباح يستيقظ مقتنعاً بأن القانون مجرد وجهة نظر، وأن المؤسسات مجرد تفاصيل إدارية، وأن الدولة نفسها ليست سوى خبر عاجل ينتظر تعليقه الكريم.
وحين يتحدث، لا يتحدث كصحفي أو ناشر أو صاحب رأي.
هذا تبسيط مخلّ للمشهد.
إنه يتحدث كما لو أنه آخر الحكماء الذين نجوا من الطوفان، وكأن الجميع مطالبون بالإنصات لأن الحكمة قررت أن تتجسد هذه المرة في صاحب موقع إلكتروني.
أما أتباعه، فقد ارتقوا بالأمر إلى مستوى أعلى.
فلم يعد الرجل إعلامياً ناجحاً في نظرهم، بل تحول إلى مخلوق أسطوري. كل نقد يتعرض له مؤامرة. وكل مساءلة يتعرض لها استهداف. وكل خلاف معه عداء للحقيقة نفسها.
ولو استطاعوا لوضعوا أمام الموقع لوحة كتب عليها: “هنا تنتهي الجغرافيا ويبدأ العقل.”
لكن التاريخ، لسوء الحظ، لا يقرأ التعليقات.
والواقع لا يهتم بعدد الإعجابات.
والقانون لا يسأل عن عدد المتابعين قبل أن يطبق قواعده.
وهنا تبدأ المأساة الكوميدية.
فأبو الهول الرقمي يعتقد أن ارتفاع صوته يجعله أعلى مقاماً، وأن كثرة جمهوره تجعله أكبر حجماً، وأن الضجيج يمكن أن يتحول إلى سلطة مستقرة.
مع أن الحقيقة أبسط من ذلك بكثير:
الصوت المرتفع ليس دليلاً على القوة.
وفي كثير من الأحيان يكون مجرد محاولة لإخفاء حقيقة مزعجة، وهي أن صاحب الضجيج يخشى أن يكتشف الناس أن التمثال ليس إلا حجراً عادياً.
لقد مرّ على الحياة العامة كثير من “أبي الهول”.
كانوا يعتقدون أن الأضواء لن تنطفئ، وأن المنابر ستبقى لهم إلى الأبد، وأن الجمهور سيظل واقفاً عند أقدام تماثيلهم.
ثم جاء الزمن، ذلك الصحفي العجوز الذي لا يخطئ مواعيده، وأعاد الجميع إلى أحجامهم الطبيعية.
وحين هدأ الغبار، بقيت المؤسسات في أماكنها.
وبقي القانون في مكانه.
واختفى الضجيج.
أما أبو الهول… فعاد تمثالاً من جديد، لكن هذه المرة بلا زوار.





















