لم أولد في اليوسفية، لكنني أتيت منها.
أرض أشعر، كلما تقدم بي العمر، أنها كانت تسكنني قبل أن أعرف حتى معنى الانتماء.
أنا حَمْرية.
وأتذكر من أحمر سنوات الطفولة والمراهقة، حين كنت أجري إليها مع أسرتي، فأجد عالماً مختلفاً: أرضاً قاسية في تضاريسها أحياناً، سخية في أهلها دائماً، وناساً لهم من الأنفة وعزة النفس شيء يصعب أن تجده في مكان آخر.
في اليوسفية، قد لا يملك الناس الكثير، لكنهم يعرفون كيف يضعون كل ما يملكون أمام ضيفهم.
لا يكلّ أهلها ولا يملّون من إكرام من يطرق أبوابهم، مهما كانت إمكانياتهم متواضعة. وكأن الضيافة هناك ليست فعلاً اجتماعياً، بل ميثاق شرف قديم توارثته البيوت جيلاً بعد جيل.
ومن تلك الأرض جاء جدي، العربي بن الشيخ.
ويكفيني فخراً أن يبقى اسمه، بعد كل هذه السنوات، في ذاكرة بعض أهل المكان؛ يتحدثون عن كرمه، وعن مساعدته للناس، وعن رجل كان يعرف أن قيمة الإنسان ليست فيما يجمعه لنفسه، وإنما فيما يتركه في ذاكرة الآخرين.
وربما لهذا أفهم اليوم أشياء كثيرة في نفسي لم أكن أفهمها وأنا صغيرة.
أفهم من أين جاءت هذه الأنفة.
وأفهم لماذا يصعب عليّ ابتلاع الظلم، ولماذا أقاوم حين أشعر أن كرامتي أو كرامة من أحب قد مُسّت.
ففي الذاكرة الحَمْرية حكايات كثيرة عن الظلم والكرامة وردّ الاعتبار. وكان كبار المنطقة يرددون عبارة غريبة وعميقة في آن واحد: «كل حجرة بفقير»؛ كأنهم يقولون إن لهذه الأرض حرمة، وإن وراء صمتها تاريخاً من الصالحين والناس البسطاء الذين تركوا فيها بركتهم وذكراهم.
ويقال أيضاً في الكلام الشعبي إن «كصاص الحمريات واعر».
لا أفهم هذه العبارة باعتبارها دعوة إلى الانتقام، وإنما باعتبارها وصفاً لذلك الإصرار الحَمْري العجيب على ألا يمر الظلم وكأنه لم يكن، وعلى أن للكرامة حساباً لا يسقط بسهولة بالتقادم.
واليوم، كلما نظرت إلى حياتي، أدركت أنني أخذت من تلك الأرض أكثر مما كنت أعتقد.
أشم رائحتها في أشياء كثيرة أفعلها.
أجدها في ردود أفعالي، في عنادي حين أؤمن بقضية، في رفضي للانحناء حين أشعر بالظلم، وفي ذلك الصوت الداخلي الذي يقول لي دائماً إن الإنسان قد يخسر أشياء كثيرة، لكنه إذا خسر كرامته فقد خسر نفسه.
والأغرب أنني كلما تقدمت في العمر، ازددت اقتناعاً بجلالة ما علّمني إياه أسلافي دون أن يجلسوا يوماً ليعطوني درساً مباشراً.
علّموني أن الكرامة لا تحتاج إلى الهتاف، وأن الظلم يحمل في داخله أسباب سقوطه.
وقد رأيت ذلك مراراً في حياتي: من يعتدي عليك قد تعتقد، في لحظة ما، أنه انتصر، ثم تمضي الأيام لتكتشف أن النار التي خلّفتها وراءك لم تكن ناراً أشعلتها أنت حتى و لكنها أتت على من ظلمك. أحياناً يكفي أن تترك الأشياء لمسارها، فيأتي الحساب من حيث لم تتوقع.
لهذا أنا حَمْرية.
لأن جذوري هناك.
ولأن جزءاً من ذاكرتي هناك.
ولأن حمضي النووي هناك.
ولأن طفولتي ومراهقتي تركتا خطواتهما على تلك الأرض.
ولأنني حين أقرأ أن جبل إيغود قدّم للعالم واحداً من أقدم الشواهد المعروفة للإنسان العاقل، وحين أنظر إلى سيدي شيكر ومدرسة الأمراء بالشماعية وسبخة زيما والزربية الحمرية وكل ذلك التاريخ المطمور تحت غبار النسيان، لا أرى موضوعاً سياحياً أو أثرياً فقط.
أرى أصلي.
ولهذا يؤلمني أن تكون أرض بهذا التاريخ غنية بما تحتها، غنية بما فوقها، غنية بذاكرتها وبأهلها، ثم تظل فقيرة في نصيبها من التنمية التي تستحقها.
لقد أُخذ الكثير من باطن أرض اليوسفية.
والآن حان الوقت لأن نسأل: ماذا أُعيد إلى أهلها فوق الأرض؟
من سيحمي ذاكرتها؟ من سيعيد الاعتبار لتراثها؟ من سيحوّل تاريخها إلى تنمية وفرص عمل ومسارات سياحية وثقافية؟ ومن سيقول إن اليوسفية ليست مجرد فوسفاط، وإن أحمر ليست مجرد اسم قبيلة في كتب التاريخ؟
وقبل كل ذلك، هناك سؤال شخصي جداً بالنسبة إليّ:
من سيمثل مدينتي غداً؟
من سيمثل الأرض التي أتيت منها، و التي أنجبت جزءاً كبيراً من الشخص الذي أصبحتُه؟
أنا لا أسأل عمن يتحدث باسم أحمر.
بل أسأل عمن يستحق أن يتحدث باسمها.





















