يحُكي أن “عوا”هرمة كانت تقيم فوق شجرة عتيقة، فرأت يومًا ثعلبًا قد صعد ربوةً عالية وجلس عليها، ثم أخذ ينظر إلى الحيوانات من فوق، نظرة من يوزع الأقدار لا من يراقب المارة.
فقالت عوا:
ما بال هذا الثعلب؟
فقيل لها:
لقد كثر من حوله الضجيج، فظن أن الضجيج سلطان.
وكثر من يرددون اسمه، فظن أن الاسم تاريخ.
وكثر من يصفقون له، فظن أن التصفيق بيعة.
فضحكت عوا حتى كادت تسقط من غصنها وقالت:
إذن فقد أصابه الداء القديم.
قيل: وما الداء القديم؟
قالت:
أن ينظر المخلوق طويلًا إلى صورته حتى يظنها أعظم من حقيقته.
ثم مضت الأيام، فإذا بالثعلب لا يكتفي بالجلوس فوق الربوة، بل أخذ يحدث نفسه قائلاً:
ما دامت الحيوانات تستمع إليّ، فلا بد أنني أفهم أكثر منها.
وما دام اسمي يتردد بينهم، فلا بد أنني أكبر منهم.
وما دام صوتي أعلى من أصواتهم، فلا بد أنني فوقهم.
ثم لم يلبث أن انتقل من هذا إلى ما هو أبعد.
فصار يظن أنه فوق العرف.
وفوق النقد.
وفوق القانون.
وفوق كل من لا يراه كما يرى نفسه.
حتى خُيل إليه أن الغابة كلها مجرد هامش صغير كُتب حول اسمه.
وكان كلما مرّت قافلة من الحيوانات أمام ربوته ازداد يقينًا بأنه مركز الكون.
وكلما علا صوته ازداد اقتناعًا بأن الحكمة ترتفع معه.
وكلما صفق له بعض أتباعه توهم أن الأشجار نفسها تهتز إعجابًا به.
فقالت عوا:
لقد تحول الثعلب إلى أبي الهول.
قيل: وكيف ذلك؟
قالت:
لأن أبا الهول الحقيقي كان حجرًا ظن الناس أنه حي.
أما هذا، فحيٌّ يظن نفسه حجرًا خالدًا.
وكان من أمره أنه كلما سمع نقدًا قال: حسد.
وكلما سمع اعتراضًا قال: مؤامرة.
وكلما سمع حقيقة لا تعجبه قال: استهداف.
حتى صار لا يرى العالم كما هو، بل كما يحتاج غروره أن يكون.
ثم شاء الزمن، وهو أكثر المخلوقات سخرية من المتكبرين، أن يفعل فعله المعتاد.
فهدأ الضجيج.
وتفرقت الجموع.
وانشغلت الحيوانات بأمور أخرى.
وبقي الثعلب فوق الربوة ينتظر التصفيق الذي تأخر.
وينتظر القوافل التي غيرت طريقها.
وينتظر الأصداء التي كانت بالأمس تملأ أذنيه.
فلم يسمع إلا الريح.
عندها فقط اكتشف الحقيقة التي يكتشفها كل أبو الهول متأخرًا:
أن الربوة لم تكن جبلًا.
وأن الضجيج لم يكن مجدًا.
وأن المصفقين لم يكونوا شعبًا.
وأن الغابة كانت تمضي في طريقها طوال الوقت دون أن تستأذن أحدًا.
أما هو، فقد كان مشغولًا بقياس ظله على الرمال، حتى صدق أنه اكبر من الشمس التي صنعته.





















